السبت، 26 سبتمبر 2015

مواعظ القلوب : الموعظة الأولى : آثار الذنوب والمعاصي

الموعظة الأولى

آثار الذنوب والمعاصي
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين  أما بعد
فإنَّ الله سبحانه وتعالى غني عنَّا وعن عبادتنا ووجودنا أصلاً ولكن خلقنا لعبادته جل وعلا قال تعالى: [وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] [الذاريات: 56] فالله سبحانه وتعالى يختبرنا ويمتحننا على هذه الأرض فوجود المعاصي كالزنا والخمر والدخان والأغاني وغيرها للاختبار والامتحان فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قلنا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»([1]) فالإنسان في هذه الدنيا على طريقين قال تعالى: [وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ] [البلد: 10]. وقال تعالى: [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا] [الإنسان: 3]. وقال رسول الله ﷺ: «حفَّت الجنة بالمكاره وحفَّت النار بالشهوات».([2])
ولذا فإن فعل الطاعات والنوافل حتى ترك الذنوب والمعاصي تحتاج إلى مجاهدة للنفس قال تعالى: [أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى] [الحجرات: 3] فكل ما يمر على الإنسان هو ابتلاء واختبار وبعدها تكون لذة العبادة لله بفعل أوامره واجتناب نواهيه فقال تعالى: [وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ] [الحجرات: 7].
قال الإمام ابن القيم رحمه الله وللصبر أنواع ثلاثة هي:
1-  الصبر على طاعة الله تعالى.
2-  الصبر عن معصية الله تعالى.
3-  الصبر على أقدار الله تعالى.
إذاً فعل الطاعات وترك الذنوب والمعاصي لابد له من الصبر على ذلك فقد قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] [البقرة: 153]. وقال رسول الله ﷺ: «الصبر ضياء»([3])  وقال تعالى: [وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ] [العنكبوت: 69].
 إذاً هذه الدنيا الفانية فيها من الذنوب والمعاصي والإنسان محاسب عليها قال تعالى: [وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ] [الانفطار: 10-11] وقال تعالى: [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] {ق:18}.
فإن للذنوب والمعاصي آثاراً على الفرد والمجتمع فنذكر بعضاً منها:
1- تضعف تعظيمه للرب جل وعلا: قال سبحانه وتعالى: [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ] {الحج:32}.
2- تضييق الرزق والمعيشة على الفرد: قال رسول الله ﷺ: «إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه»([4]). وقال وهيب بن الورد رحمه الله: (لا يجد طعم العبادة من عصى الله ولا من همّ بمعصيته). وقال أبو سليمان الدارني رحمه الله: (أني أعصي الله فأعرف ذلك في خُلق دابتي وزوجتي).
3- حرمان العلم الشرعي: قال تعالى: [وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ] [البقرة: 282] كان الإمام الشافعي رحمه الله يحفظ جيداً فقل حفظه عن ما كان عليه فذهب إلى شيخه وكيع ابن الجراح رحمه الله يشتكيه فقال الشافعي:
شكـوت إلى وكـيع سوء حفظـي
وقــال اعلــم إن العلـم نـــور


فأرشــدني إلى تــرك المعاصــي
ونـــور الله لا يؤتـــى لعاصـي

4- تورث الوحشة في القلب وتضيّق الصدر: قال تعالى: [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى] [طه: 124]، وقال الإمام ابن القيم رحمه الله قوله (ضنكا) إنها تدل على أن: (حرف (ض) الضيق وحرف (ن) النكد وحرف (ك) الكدر).
5- قسوة القلب وجفاء العين: قال تعالى: [كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] {المطَّففين:14}  الران هو الذنوب والمعاصي.
6- الذل والمهانة في الدنيا: قال رسول الله ﷺ: «جُعل الذِّل والصغـار على من خالف أمري»([5]).
7- سبب في عذاب القبر وفي عذاب الآخرة: عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ مرَّ على قبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما لا يستبرئ من البول وأما الآخر يمشي بالنميمة ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز على كل قبر واحدة قالوا يا رسول الله لمَ فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا».([6])
8- سبب في زوال النعمة والأمن والأمان: قال تعالى: [الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] {الأنعام:82}. فقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: (الظلم هنا الشرك)([7]) ويدخل في ظلم النفس ارتكاب الذنوب والمعاصي.
9- سبب في الخسف والمسخ والقذف: عن عائشة رضي الله عنها قالت قال النبي ﷺ: «يكون في آخر الأمة خسف ومسخ وقذف» فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال: «نعم إذا كثر الخبث».([8])
الخبث: الذنوب والمعاصي.     المسخ: قلب الخلقة إلى خلقة أخرى.
10- تسليط الأعداء: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر ورضيتم بالحياة الدنيا وتركتم الجهاد في سبيل الله سلَّط الله عليكم ذُلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم».([9])
أذناب البقر: انشغال بالحرث والزرع.     العينة: نوع من أنواع الربا.
11- سبب في قتال المسلمين فيما بينهم: قال النبي ﷺ: «سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين سألت ربي ألا يهلك أمتي بالسَّنة فأعطانيها وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» ([10]).   السَّنة: جذب أو قحط الأرض.
12- سبب في نزول العقوبات على الفرد والمجتمع: قال علي بن أبي طالب t: (ما نزلت عقوبة إلا بذنب وما رُفعت إلا بتوبة).
نسأل الله العلي القدير أن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ويتقبَّل منَّا توبتنا ويرحمنا برحمته وأن يجعل مصيرنا دار كرامته وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

õ  õ  õ



(1) رواه البخاري في كتاب الاعتصام باب الاقتداء بسنن النبي ﷺ.
(2) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب حفت النار بالشهوات ورواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب صفة الجنة.
(1) رواه مسلم في كتاب الطهارة باب فضل الوضوء.
(2) رواه الإمام أحمد في مسنده.                                              
(1) رواه الإمام أحمد في مسنده.
(2) رواه البخاري في كتاب الجنائز.
(3) رواه البخاري في كتاب الظلم.
(4) رواه الترمذي في كتاب الفتن باب ما جاء في الخسف وصححه الألباني.
(1) رواه الإمام أحمد وأبو داوود والبزار وأبو يعلى وصححه الألباني.
(2) رواه مسلم في كتاب الفتن باب ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثاً في أمتي.

مواعظ القلوب : الموعظة الثانية " التوبة طريق السعادة

الموعظة الثانية

التوبة طريق السعادة

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب وأشهد أن لا إله إلا الله الكريم الوهَّاب وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خير من صلى وقام وتاب وأناب صلوات ربي وسلامه عليه أما بعد.
فإن حاجتنا إلى التوبة حاجة ماسَّة فنحن والله المستعان نذنب كثيراً ونُفرِّط في جنب الله ليلاً ونهاراً والتوبة إلى الله عز وجل تصقل القلب وتُنقِّيه من ران الذنوب والمعاصي والأصل أن ابن آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التوابون فباب التوبة مفتوح إلا في أمرين هما:
 1- عندما تغرغر الروح أي عند الموت.
 2- عند خروج الشمس من مغربها.
فعن أبي ذر الغفاري t قال: قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم... يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم».([1])
وقد كان النبي ﷺ في مجلسه الواحد يستغفر الله أكثر من سبعين مرة وفي رواية أخرى بأنه كان يستغفر الله في مجلسه الواحد مائة مرة ([2]) وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولكن يريد أن يكون لله عبداً شكوراً.
إذاً فإن الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة حتى وإن بلغت الذنوب عنان السماء،  قال تعالى: [وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ] [الشورى: 25]. وأن الله سبحانه وتعالى يحب من تاب إليه كما قال سبحانه: [إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطِّهريِن] [القرة: 222].
والتوبة لها فضائل كثيرة أسرار بديعة وفوائد متعددة ومنها:
1- سبب للفلاح والفوز والسعادة في الدنيا والآخرة قال تعالى: [أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ] [الرعد: 28] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (القلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه).
2- سبب لتكفير السيئات وتبديلها إلى حسنات قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ] {التَّحريم:8}. وقال تعالى: [إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا] [الفرقان: 70] وقال رسول الله ﷺ: «التائب من الذنب كما لا ذنب له»([3]) وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما (ما رأيت النبي ﷺ فرحاً بشيء عندما نزلت هذه الآية وفرح أيضاً عندما نزلت عليه إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً).
3- سبب للحياة الطيبة والخير العظيم على الفرد والمجتمع قال الله تعالى على لسان نوح عليه السلام: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا] [نوح: 10-12]. وقال تعالى: [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {النحل:97}.
4- أنَّ الله أشد فرحاً بتوبة العبد من ذلك الرجل الذي أضاع راحلته في الخلاء عليها زاده فاستظل تحت شجرة ينتظر الموت فنام فاستيقظ فوجد راحلته فوق رأسه فأخطأ من شدة الفرح فقال اللهم أنت عبدي وأنا ربك. ([4])
5- أنَّ الله أرحم بالعبد من أمه وأبيه فكان النبي ﷺ وأصحابه بعد غزوة خيبر ينظرون إلى امرأة تبحث عن وليد لها بين الجرحى والقتلى فعندما وجدت الوليد وضعته على صدرها فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أهي ملقية وليدها في النار» قال الصحابة لا يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ: «الله أرحم بالعبد من هذه الأم على وليدها».([5])
6- نداء من الله عز وجل قال تعالى: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ] [الزمر: 53]. وقال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: (من يئس من عباد الله من التوبة فقد جحد كتاب الله عز وجل) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه الآية: (هذا نداء من الله للمشركين والكفار والمذنبين والمسيئين بالتوبة).
7- التوبة سبب لتفريج الكروب وبسط الرزق وتكفير السيئات قال تعالى: [وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ][الطلاق: 2-3] وقال تعالى:  [وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا] [الطلاق: 4] وقال تعالى: [وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا] [الطلاق: 5].
إذاً تقوى الله والتوبة إليه والرجوع إليه والهرب منه إليه هي الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة قال تعالى: [وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ][الزمر: 54] وقال تعالى: [وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا] [النساء: 110]. وعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له». ([6])
فالإنسان في هذه الحياة يجاهد أعداءه الأربعة النفس والهوى والشيطان والدنيا فلْيستعن بالله عز وجل ولا يعجز ويمتثل لأمر الله عز وجل ولأمر نبيه ﷺ ويجد سعادة الدنيا والآخرة.
كفى يا نفس ما كان
فؤادي يشتكي ذنباً
أصيح بتوبتي ندماً


كفاك هوى وعصيانا
ويشكو منك ما كانا
وأقول كفى يا نفس ما كانا

نسأل الله العلي القدير الذي لا إله غيره أن يرزقنا التوبة الصادقة الخالصة وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
õ  õ  õ



(1) رواه مسلم في كتاب البر والصلة باب تحريم الظلم.
(2) رواه البخاري في كتاب الدعوات باب استغفار النبي ﷺ ورواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء باب استحباب الإكثار فيه.
(1) رواه ابن ماجه والطبراني.
(2) رواه البخاري في كتاب الدعوات ومسلم في كتاب التوبة.
(1) رواه مسلم في كتاب التوبة باب سعة رحمة الله تعالى وأنها تغلب غضبه.
(2) رواه البخاري في كتاب الدعوات باب نصف الليل ومسلم في كتاب صلاة المسافرين باب الترغيب بالدعاء والذكر آخر الليل.

مواعظ القلوب : الموعظة الثالثة " الأسباب الموجبة لمحبة الله سبحانه وتعالى

الموعظة الثالثة

الأسباب الموجبة لمحبة الله سبحانه وتعالى
الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على المصطفى الأمين     أما بعد
قال الله تعالى: [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] [آل عمران: 31].
فمن أراد محبة الله عز وجل ومحبة رسوله ﷺ فعليه بطاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وألا يُعبد الله إلا بما شرع فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». ([1])
ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه مدارج السالكين عشرة أسباب موجبة لمحبة الله عز وجل وهي:
1- قراءة وحفظ كتاب الله تدبراً وتفسيراً قال تعالى: [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] [محمد: 24] وقال رسول الله ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».([2]) وقال النبي ﷺ: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه».([3])
2- تقديم محاب الله على محابك عند غلبات الهوى والنفس والشيطان والدنيا قال رسول الله ﷺ: «إنك لم تدع شيئاً لله إلا أبدلك الله به ماهو خيراً منه».([4])
3- التقرب إلى الله عز وجل بالنوافل والسنن القولية والفعلية بعد أداء الفرائض فعن أبي هريرة t قال: قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه».([5])
4- مداومة ذكر الله عز وجل فنصيبك من محبة الله عز وجل على قدر نصيبك من ذكره فعن عبدالله بن بُسر t قال أتى رجلٌ إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا فبابٌ نتمسك به جامع قال: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل».([6])
5- التفكر والتدبر بأسماء الله وصفاته وآياته ومخلوقاته قال تعالى: [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] [آل عمران: 191].
6- شكر النعم الظاهرة والباطنة فمداومة الشكر والحمد سبب في بقاء وزيادة النعم قال الله تعالى: [وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ] [إبراهيم: 7].
7- انكسار القلب وخشوعه وخضوعه والانكسار وهو من أهم الأسباب قال تعالى: [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ] [الحديد: 16].
 8- قيام الليل وخاصة في الثلث الآخر منه وذلك بفعل الطاعات والقربات لله عز وجل من صلاة وقيام وقراءة للقرآن ودعاء واستغفار وذكر لله عز وجل. فعن أبي هريرة t قال: قال رسول ﷺ «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له»([7]) وقال الله تعالى: [وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] [الذاريات: 18].
9- الصحبة الصالحة فإنها تُعين على الخير قال الله تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا] [الكهف: 28]. وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (لولا صحبة الأخيار وقيام الأسحار لكرهت البقاء بهذه الدار) والرجل من جليسه والصاحب كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك تجد منه رائحة طيبة أو يهديك ونافخ الكير تجد منه رائحة خبيثة أو يحرق ثيابك.
10- الابتعاد عن كل شيء يحول بينك وبين الله سبحانه وتعالى من المعاصي والمنكرات والذنوب والآثام فإنها تطغى على القلب حتى يتغشاها فلا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً فقد كان النبي ﷺ يدعو ويقول: «اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين».([8])
فهذه عشرة أسباب موجبة لمحبة الله عز وجل إذا تقدَّمها الإخلاص لله عز وجل ومتابعةٌ لنبينا محمد ﷺ فيكون جزاؤه مع الذين قال الله فيهم: [وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا] [النساء: 69].
فينبغي على كل مسلم ومسلمة المسارعة للخيرات والمسابقة إليها ويكون جزاؤه كما قال تعالى: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] [آل عمران: 133].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في علامة محبة الله عز وجل للعبد: (وقد جعل الله لأهل محبته علامتين اتباع الرسول ﷺ والجهاد في سبيله وذلك لأن الجهاد حقيقة الاجتهاد في الحصول على ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح وفي دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان فحقيقة المحبة لا تتم إلا بمولاة المحبوب وهي موافقته في حب ما يحبه الله وبغض ما يبغضه الله والله يُحب الإيمان والتقوى ويبغض الكفر والفسوق والعصيان فإذا تبين هذا فكلمـا ازداد القلب حباً لله ازداد له عبودية وكلما ازداد عبودية ازداد محبة وحرية عما سواه والقلب يكون فقيراً لله من جهتين من جهة العبادة وهي العلة الغائبة ومن جهة الاستعانة والتوكل على الله) انتهى كلامه رحمه الله.
نسأل الله الغفور الرحيم أن يرزقنا حُبَّه وحُبَّ ما يقربنا لحُبِّه وأن نكون من عباده وأوليائه الصالحين الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 õ  õ  õ



(1) رواه البخاري كتاب الدعوات ومسلم كتاب الذكر.
(2) رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن.
(3) رواه مسلم في كتاب الفضائل.
(4) رواه الإمام أحمد في مسنده.
(1) رواه البخاري في كتاب الرقاق.
(2) رواه الترمذي واللفظ له قال: (حسن غريب) ورواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال: (صحيح الإسناد) وصححه الألباني.
(3) سبق تخريجه.
(1) رواه الترمذي ومالك في الموطأ والبزار في كشف الأستار وقال البيهقي في مجمع الزوائد: (إسناده حسن) ورواه ابن حبان وصححه الألباني.