الأحد، 14 يونيو 2015

كتاب الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام- بَابٌ فِي الْبُيُوعِ وَمَا شَاكَلَهَا - تعريف البيع وآركانه


كتاب
 الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام
المعروف  بشرح ميارة
المؤلف
 أبو عبد الله، محمد بن أحمد بن محمد الفاسي، ميارة
(المتوفى: 1072هـ) 

الناشر: دار المعرفة
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]


[بَابٌ فِي الْبُيُوعِ وَمَا شَاكَلَهَا]

ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ الْبُيُوعَ، وَمَا شَاكَلَهَا أَيْ، وَمَا شَابَهَهَا وَكَانَ مِثْلَهَا فِي كَوْنِهِ عَقْدَ مُعَاوَضَةٍ وَذَلِكَ كَبَيْعِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِجِنْسِهِ، أَوْ بِنَقْدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْأَخَصَّ هُوَ الَّذِي أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَكَذَلِكَ الْمُقَاصَّةُ وَالْحَوَالَةُ وَالشُّفْعَةُ وَالْقِسْمَةُ وَالْإِقَالَةُ وَالتَّوْلِيَةُ وَالتَّصْيِيرِ وَالسَّلَمُ، وَنَحْوُهَا مِمَّا أَدْمَجَهُ النَّاظِمُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفَصَلَ بَيْنَ أَنْوَاعِهِ بِالْفُصُولِ دُونَ الْأَبْوَابِ.
وَأَمَّا مَا فَسَّرَ بِهِ شُرَّاحُ الرِّسَالَةِ قَوْلَهَا، وَمَا شَاكَلَ الْبُيُوعَ مِنْ الْكِرَاءِ وَالْإِجَارَةِ لِكَوْنِهِمَا شِرَاءَ مَنْفَعَةٍ وَالْبَيْعُ شِرَاءُ رَقَبَةٍ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ كَلَامِ النَّاظِمِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُمَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، بَلْ عَقَدَ لَهُمَا بَابًا مُسْتَقِلًّا. وَبَابُ الْبُيُوعِ مِمَّا يُتَعَيَّنُ الِاهْتِمَامُ بِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، إذْ لَا يَخْلُو مُكَلَّفٌ غَالِبًا مِنْ بَيْعٍ، أَوْ شِرَاءٍ فَيَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهِ.
(قَالَ الْقَبَّابُ) : لَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَجْلِسَ فِي السُّوقِ حَتَّى يَعْلَمَ أَحْكَامَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَإِنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ فَرْضًا وَاجِبًا عَلَيْهِ، كَذَلِكَ الَّذِي يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ حُكْمَ مَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ قِرَاضًا لِمَنْ لَا يَعْلَمُ أَحْكَامَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ الذِّمِّيَّ عَلَى الشِّرَاءِ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَا يَتَوَكَّلُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشَارِكَ الذِّمِّيَّ إلَّا إذَا لَمْ يَغِبْ الذِّمِّيُّ عَلَى بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ اهـ.
وَبَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا ذُكِرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا عَلِمَهُ وَيَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ وَيَتَوَلَّى بَيْعَهُ وَشِرَاءَهُ بِنَفْسِهِ إنْ قَدَرَ، وَإِلَّا فَغَيْرُهُ بِمُشَاوِرَتِهِ، وَلَا يَتَّكِلُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ الْأَحْكَامَ، أَوْ يَعْرِفُهَا وَيَتَسَاهَلُ فِي الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ وَعُمُومِهِ.
وَالْبَيْعُ مَصْدَرُ بَاعَ الشَّيْءَ، يَبِيعُهُ إذَا أَخْرَجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِعِوَضٍ، أَوْ أَدْخَلَهُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ، يُطْلَقُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَذَكَرَ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ أَنَّ لُغَةَ قُرَيْشٍ اسْتِعْمَالُ بَاعَ إذَا أَخْرَجَ، وَاشْتَرَى إذَا أَدْخَلَ قَالَ: وَهِيَ أَفْصَحُ وَعَلَى هَذَا اصْطَلَحَ الْعُلَمَاءُ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ، نَقَلَهُ الْحَطَّابُ، وَفِي شَرْحِ الْجُزُولِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ مَا حَاصِلُهُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ بَائِعٌ لِمَا خَرَجَ مِنْ يَدِ مُشْتَرٍ لِمَا أَخَذَهُ، وَاصْطَلَحَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ آخِذَ الْعَرَضِ يُسَمَّى مُشْتَرِيًا، وَآخِذَ الْعَيْنِ بَائِعًا وَجَمَعَ النَّاظِمُ الْبَيْعَ، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا، وَحَقُّهُ أَنْ لَا يُجْمَعَ لِصِدْقِهِ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّهُ جَمَعَهُ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ، كَالْعُلُومِ وَالْمِيَاهِ؛ لِأَنَّ مِنْ الْبَيْعِ صَحِيحًا وَفَاسِدًا.
وَالْمَبِيعَاتُ: أُصُولٌ، وَعُرُوضٌ، وَغَيْرُهُمَا كَمَا يَأْتِي (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْبُيُوعُ مَا نَصُّهُ أَتَى بِجَمْعِ الْكَثْرَةِ لِتَعَدُّدِ الْأَنْوَاعِ، وَحَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بِأَنَّهُ: نَقْلُ الْمِلْكِ بِعِوَضٍ، وَهَذَا يَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاسِدَ يَنْقُلُ الْمِلْكَ، ثُمَّ قَالَ، وَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْقُلُ لَمْ يَشْمَلْهُ لَكِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَكُونُ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُمْ صَحِيحَةً لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمِلْكَ قَدْ انْتَقَلَ عَلَى حُكْمِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْتَقِلْ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ خَلِيلٌ، وَإِنْ أَرَدْتَ إخْرَاجَهُ بِوَجْهٍ لَا شَكَّ فِيهِ فَزِدْ بِوَجْهٍ جَائِزٍ. اهـ.
وَحَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ " عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى غَيْرِ مَنَافِعَ، وَلَا مُتْعَةِ لَذَّةٍ وَمُكَايَسَةٍ، أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، مُعَيَّنٌ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ " فَقَوْلُهُ " عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ " يَشْمَلُ هِبَةَ الثَّوَابِ وَالصَّرْفَ وَالْمُرَاطَلَةَ وَالسَّلَمَ وَأَخْرَجَ بِهِ التَّبَرُّعَاتِ، كَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " غَيْرِ مَنَافِعِ الْكِرَاءِ وَالْإِجَارَةِ " لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِمَا عَلَى الْمَنَافِعِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " وَلَا مُتْعَةِ لَذَّةٍ " النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ عَلَى مُتْعَةِ التَّلَذُّذِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " ذُو مُكَايَسَةٍ " هِبَةُ الثَّوَابِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى الْمُكَارَمَةِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " أَحَدُ عِوَضَيْهِ غَيْرُ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ " الصَّرْفُ، وَالْمُرَاطَلَة؛ لِأَنَّ الْعِوَضَيْنِ مَعًا ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ، أَوْ مُجْتَمِعٌ مِنْهُمَا، وَشَمِلَ قَوْلُهُ " أَحَدَ عِوَضَيْهِ. . . إلَخْ " مَا إذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً وَالْآخَرُ عَرْضًا، وَمَا إذَا كَانَا مَعًا عَرْضَيْنِ، وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ أَنَّ هَذَا
(1/277)

الْوَجْهَ يُسَمَّى الْمُعَاوَضَةَ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ " مُعَيَّنٌ غَيْرُ الْعَيْنِ فِيهِ " السَّلَمُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَيْنِ فِيهِ وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ فِي الذِّمَّةِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَا يُسْتَجَازُ بَيْعُهُ أَقْسَامُ ... أُصُولٌ أَوْ عُرُوضٌ أَوْ طَعَامُ
أَوْ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ أَوْ ثَمَرُ ... أَوْ حَيَوَانٌ وَالْجَمِيعُ يُذْكَرُ
أَخْبَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ يَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَنْوَاعٍ: (الْأَوَّلُ) أُصُولٌ وَذَلِكَ، كَالدُّورِ، وَالْحَوَائِطِ وَالْفَنَادِقِ، وَالْحَوَانِيتَ، وَالْأَرَضِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (وَالثَّانِي) عُرُوضٌ، كَالثِّيَابِ، وَالسِّلَاحِ، وَالْآلَاتِ، وَنَحْوِهَا. (الثَّالِثُ) طَعَامٌ كَالْحُبُوبِ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ، وَالْقَطَانِيِّ، وَإِدَامٌ كَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ وَمُصْلِحَاتِهِ، كَالْمِلْحِ وَالْبَصَلِ، وَنَحْوِهِمَا. (الرَّابِعُ) ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَهُمَا النَّقْدَانِ اللَّذَانِ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْأَغْرَاضُ مِنْ حَيْثُ التَّنْمِيَةُ الْمَنُوطَةُ بِهِمَا. (الْخَامِسُ) ثَمَرٌ وَذَلِكَ، كَالْفَوَاكِهِ، وَالْمَقَاثِئِ، وَالْخُضَرِ، وَأَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الطَّعَامِ لِمَا اخْتَصَّتْ بِهِ عَنْ الطَّعَامِ مِنْ اشْتِرَاطِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي جَوَازِ بَيْعِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ. (السَّادِسُ) حَيَوَانٌ، كَالرَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ، وَالْأَنْعَامِ، وَالْوَحْشِ، وَالطَّيْرِ وَفَائِدَةُ تَقْسِيمِ هَذِهِ الْمَبِيعَاتِ لِمَا ذُكِرَ اخْتِصَاصُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا بِأَحْكَامٍ مُعْتَبَرَةٍ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي غَيْرِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَالْعُيُوبِ الْمُوجِبَةِ لِلْقِيمَةِ فِي الْأُصُولِ، أَوْ لِلرَّدِّ فِي الْحَيَوَانِ، وَالْعُرُوضِ وَرِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ فِي النَّقْدَيْنِ وَالطَّعَامَيْنِ، وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي الثِّمَارِ، وَالْعُهْدَتَيْنِ فِي الرَّقِيقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ فِي النُّطْقِ: الْجَوَازُ الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِلْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ (قَالَ الْإِمَامُ الْحَطَّابُ) : وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ الْوُجُوبُ كَمَنْ اُضْطُرَّ لِشِرَاءِ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالنَّدْبُ كَمَنْ أَقْسَمَ عَلَى إنْسَانٍ أَنْ يَبِيعَ لَهُ سِلْعَةً لَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ فِي بَيْعِهَا فَيُنْدَبُ إلَى إجَابَتِهِ لِأَنَّ إبْرَارَ الْمُقْسِمِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَالْكَرَاهَةُ كَبَيْعِ الْهِرِّ، وَالسِّبَاعِ لِأَخْذِ جُلُودِهَا، وَالتَّحْرِيمُ كَالْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الرِّفْقُ بِالْعِبَادِ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى حُصُولِ الْمَعَاشِ، وَلِهَذَا يُمْنَعُ احْتِكَارُ مَا يَضُرُّ بِالنَّاسِ اهـ. وَلِلْبَيْعِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْأَوَّلُ الصِّيغَةُ، الثَّانِي الْعَاقِدُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مَعًا، الثَّالِثُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الثَّمَنُ وَالْمَثْمُونُ مَعًا فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خَمْسَةٌ، وَلَمَّا كَانَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي يَشْتَرِكَانِ فِي الشُّرُوطِ كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا عَبَّرُوا عَنْهُمَا بِالْعَاقِدِ، وَكَذَلِكَ الثَّمَنُ وَالْمَثْمُونُ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْآخَرِ فَلِذَلِكَ عَبَّرُوا عَنْهُمَا بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالصِّيغَةُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا مِنْ قَوْلٍ، كَبِعْت وَيَرْضَى الْمُشْتَرِي، أَوْ ابْتَعْتُ وَيَرْضَى الْبَائِعُ، أَوْ فِعْلٍ، كَالْمُعَاطَاةِ وَذَلِكَ فِيمَا كَانَتْ قِيمَتُهُ مَعْلُومَةً فَيَضَعُ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَيُعْطِي الْبَائِعُ الْمَثْمُونَ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، وَأَمَّا الْعَاقِدُ فَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ انْعِقَادِ الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَ عَاقِدُهُ مُمَيِّزًا فَبَيْعُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ لِصِغَرٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ سُكْرٍ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ لَازِمًا، وَيُشْتَرَطُ فِي لُزُومِهِ كَوْنُ عَاقِدِهِ رَشِيدًا طَائِعًا فَبَيْعُ الْمَحْجُورِ مُنْعَقِدٌ غَيْرُ لَازِمٍ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى إجَازَةِ حَاجِرِهِ.
وَقَدْ أَشَارَ النَّاظِمُ إلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ بِقَوْلِهِ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ
مِمَّنْ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ
وَكَذَا الْمُكْرَهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ إذَا أُكْرِهْ عَلَى الْبَيْعِ بَيْعُهُ غَيْرُ لَازِمٍ أَيْضًا إلَّا إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ فِي حَقٍّ شَرْعِيِّ كَقَضَاءِ دَيْنٍ وَنَحْوِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ، وَأَمَّا الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَلَهُ سَبْعَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: الطَّهَارَةُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نَجِسِ الْعَيْنِ كَالزِّبْلِ، وَلَا الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ كَالزَّيْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهَا، أَمَّا الْمُتَنَجِّسُ الَّذِي يَقْبَلُ الطَّهَارَةَ كَالثَّوْبِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا بَيَّنَ
(1/278)

كَوْنَهُ نَجِسًا، وَيَتَأَكَّدُ الْبَيَانُ إذَا كَانَ جَدِيدًا، وَتَعَدُّدُهُ كَذَلِكَ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ اللَّحْمِ إذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ، وَكَذَا مَأْكُولُ اللَّحْمِ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ لِلْغَرَرِ فِي حَيَاتِهِ وَحُصُولِ ذَكَاتِهِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ حَرَكَتِهِ بَعْدَ ذَبْحِهِ. الثَّالِثُ: عَدَمُ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكِلَابِ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ بَيْعِ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ مِنْهَا وَسَيَأْتِي، وَكَذَا الْأُضْحِيَّةُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَنَحْوُهَا.: الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْآبِقِ إنْ لَمْ يُعْرَفْ مَحَلُّهُ، وَكَذَا إنْ عُرِفَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبَعِيرِ الشَّارِدِ، وَلَا الْإِبِلِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَذَا الْمَغْصُوبِ إنْ كَانَ الْغَاصِبُ لَا تَنَالُهُ الْأَحْكَامُ إلَّا أَنْ يُبَاعَ لِغَاصِبِهِ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَرُدَّهُ لِرَبِّهِ مُدَّةً، وَحِينَئِذٍ يُبَاعُ لِغَاصِبِهِ، أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِبَائِعِهِ، أَوْ لِمَنْ نَابَ عَنْهُ بِوَكَالَةٍ، أَوْ إيصَاءٍ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ لَك فَإِنْ وَقَعَ، تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى رِضَا مَالِكِهِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِبَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ فِيهِ تَفْصِيلٌ. السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَقَرَّرُ مَلِكُ مُبْتَاعِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ وَجَبَ عِتْقُهُ إذْ بِهِ يَجِبُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ مُصْحَفٌ، أَوْ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ لِعَدَمِ تَقَرُّرِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَقَعَ فَلَا يُفْسَخُ، وَيُبَاعُ عَلَيْهِ وَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِمْ " مِمَّا يَتَقَرَّرُ مَلِكُ مُبْتَاعِهِ عَلَيْهِ " مَنْ اشْتَرَى مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِبِهِ فَإِنَّهُ مِمَّا يَتَقَرَّرُ مِلْكُهُ عَلَيْهِ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عِتْقُهُ عَلَيْهِ وَكَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، مَثْمُونًا كَانَ، أَوْ ثَمَنًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَجْهُولِ جُمْلَةً، كَبَيْعِ الْحُوتِ فِي الْمَاءِ، وَلَا الْبَيْعُ بِزِنَةِ حَجَرٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ ذَهَبًا، أَوْ فِضَّةً وَلَا بَيْعُ مَعْلُومِ الْقَدْرِ جُمْلَةً مَجْهُولِ التَّفْصِيلِ، كَعَبْدَيْ رَجُلَيْنِ بِمِائَةٍ مَثَلًا وَهُوَ الَّذِي يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِجَمْعِ الرَّجُلَيْنِ سِلْعَتَهُمَا فِي الْبَيْعِ إذْ لَا يُدْرَى مَا يَنُوبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ مِنْ الْمِائَةِ (تَنْبِيهٌ) إذَا بِيعَ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَمَا لَا يَجُوزُ كَثَوْبٍ وَخَمْرٍ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَنُقِلَ فِي إيضَاحِ الْمَسَالِكِ فِي ذَلِكَ تِسْعَةُ أَقْوَالٍ: فَسْخُ الْجَمِيعِ، فَسْخُ مَا قَابَلَ الْحَرَامَ وَصِحَّةُ مَا قَابَلَ الْحَلَالَ، وَثَالِثُهَا الْأَقَلُّ يَتْبَعُ الْأَكْثَرَ اُنْظُرْ بَقِيَّتَهَا فِي تَرْجَمَةِ الْعَقْدِ هَلْ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟

قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(1/279)

وَالْبَيْعُ وَالشَّرْطُ الْحَلَالُ إنْ وَقَعْ ... مُؤَثِّرًا فِي ثَمَنٍ مِمَّا امْتَنَعْ
وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرُ ... فِي ثَمَنٍ جَوَازُهُ مَأْثُورُ
وَالشَّرْطُ إنْ كَانَ حَرَامًا بَطَلَا ... بِهِ الْمَبِيعُ مُطْلَقًا إنْ جُعِلَا
يَعْنِي أَنَّ الْبَيْعَ إذَا وَقَعَ مُصَاحِبًا الشَّرْطَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّرْطُ حَلَالًا، أَوْ حَرَامًا.
فَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، إنْ وَقَعَ مُؤَثِّرًا فِي الثَّمَنِ جَهْلًا مَثَلًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَالْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالْبَيْعُ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ مَعْمُولٌ بِهِ وَإِلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ حَرَامًا بَطَلَ بِهِ الْبَيْعُ مُطْلَقًا، أَيْ أَثَّرَ جَهْلًا فِي الثَّمَنِ، أَوْ لَا، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّالِثِ، فَمِثَالُ الشَّرْطِ الْحَلَالِ الْمُؤَثِّرِ فِي الثَّمَنِ جَهْلًا: أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَبِيعَ مَا اشْتَرَى مِنْهُ، وَلَا يَهَبَهُ فَنَفْسُ الشَّرْطِ وَهُوَ كَوْنُ الْمُشْتَرِي يَتَمَسَّكُ بِمَا اشْتَرَى وَلَا يَبِيعُهُ وَلَا يَهَبُهُ حَلَالٌ جَائِزٌ.
وَاشْتِرَاطُهُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا بِرُخْصٍ وَنَقْصٍ عَنْ ثَمَنِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي بَيْعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّحْجِيرِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَمِقْدَارُ مَا اُنْتُقِصَ مِنْ الثَّمَنِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّرْطِ مَجْهُولٌ وَالْجَهْلُ فِي الثَّمَنِ لَا يَجُوزُ وَيَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَمِثَالُهُ أَيْضًا أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَنْ يُسَلِّفَهُ دَرَاهِمَ طَعَامًا مَثَلًا فَنَفْسُ الْمَشْرُوطِ الَّذِي هُوَ السَّلَفُ جَائِزٌ، وَاشْتِرَاطُهُ وَانْعِقَادُ الْبَيْعِ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ السَّلَفُ مِنْ الْبَائِعِ فَإِنَّمَا يَبِيعُ غَالِبًا بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ لِأَجْلِ السَّلَفِ.
وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُشْتَرِي فَإِنَّمَا يَشْتَرِي غَالِبًا بِأَقَلَّ لِأَجْلِ السَّلَفِ أَيْضًا، وَمِقْدَارُ مَا ازْدَادَ فِي الثَّمَنِ، أَوْ اُنْتُقِصَ بِسَبَبِ الشَّرْطِ مَجْهُولٌ، وَالْمَجْهُولُ فِي الثَّمَنِ مَمْنُوعٌ يَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَلَوْ تَحَقَّقْنَا أَنْ لَا زِيَادَةَ فِي الثَّمَنِ وَلَا نَقْصَ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا عُلِّلَ بِعِلَّةٍ غَالِبًا اُكْتُفِيَ بِغَلَبَتِهَا عَنْ تَتَبُّعِهَا فِي كُلِّ صُورَةٍ صُورَةٍ، إعْطَاءً لِلنَّادِرِ حُكْمَ الْغَالِبِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَعِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ فِي ذَلِكَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِالْمَظِنَّةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحَقُّقِ الْحِكْمَةِ اهـ.
وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ الْمَنْعَ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي بِأَنَّ السَّلَفَ صَارَ بِسَبَبِ اشْتِرَاطِهِ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ، وَالِانْتِفَاعُ بِهِ مَجْهُولٌ اهـ.
وَمَا عَلَّلْنَا بِهِ أَظْهَرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَنْعُ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى التَّأْثِيرِ فِي الثَّمَنِ عِلَّةً أُخْرَى لِلْمَنْعِ وَهِيَ كَوْنُ ذَلِكَ الْمُؤَثِّرِ مِنْ بَابِ اشْتِرَاطِ مَا يُوجِبُ الْحُكْمُ خِلَافَهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُ جَوَازَ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِيمَا اشْتَرَاهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ، مِمَّا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ مِنْ بَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَالتَّحْجِيرُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ شَرْطٌ مُنَاقِضٍ لِمُقْتَضَى عَقْدِ الْبَيْعِ، وَاشْتِرَاطُ مِثْلِهِ مَمْنُوعٌ وَيَفْسُدُ بِهِ الْبَيْعُ، وَمِثَالُ الشَّرْطِ الْحَلَالِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِي الثَّمَنِ اشْتِرَاطُ الْمُشْتَرِي كَوْنَ الثَّمَنِ إلَى أَجَلٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ بَعِيدٍ جِدًّا.
وَاشْتِرَاطُ الْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، أَوْ الْمُعَجَّلِ أَنْ يُعْطِيَهُ فِيهِ رَهْنًا، أَوْ حَمِيلًا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِزٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فَلَا يُتَوَهَّمُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ الشَّرْطِ الْمُؤَثِّرِ فِي الثَّمَنِ، وَهَذَا شَرْطٌ صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَقْتَضِيهِ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَلَا يُنَافِيهِ وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْبَائِعِ وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْقِسْمِ الشَّرْطُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ عَقْدُ الْبَيْعِ كَالرُّجُوعِ بِدَرْكِ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ، وَيُعْمَلُ بِهِ وَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَاشْتِرَاطُهُ تَأْكِيدٌ، وَمِثَالُ الشَّرْطِ الْحَرَامِ مَنْ بَاعَ أَمَةً رَفِيعَةً وَاشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَمْنَعَهَا الدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ، أَوْ اشْتَرَطَ كَوْنَهَا مُغَنِّيَةً، أَوْ بَاعَ دَارًا وَاشْتَرَطَ اتِّخَاذَهَا مَجْمَعًا لِأَهْلِ الْفَسَادِ فَالشَّرْطُ حَرَامٌ.
وَالْبَيْعُ بِهِ فَاسِدٌ، وَإِذَا فَسَدَ الْبَيْعُ بِالشَّرْطِ الْحَلَالِ الْمُؤَثِّرِ فِي الثَّمَنِ فَأَحْرَى أَنْ يَفْسُدَ بِالْحَرَامِ الْمُؤَثِّرِ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ، فَلَا فَرْقَ فِي الشَّرْطِ الْحَرَامِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا فِي الثَّمَنِ، أَوْ لَا، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْإِطْلَاقِ، فَقَوْلُهُ " وَالْبَيْعُ " مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ " مِمَّا امْتَنَعَ " وَ " الشَّرْطُ عَطْفٌ عَلَى الْبَيْعِ، وَيَصِحُّ نَصْبُهُ عَلَى الْمَعِيَّةِ " وَالْحَلَالِ " نَعْتٌ لِلشَّرْطِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَ " مُؤَثِّرًا " حَالٌ مِنْ فَاعِل وَقَعَ الْعَائِدِ عَلَى الشَّرْطِ وَفِي " ثَمَنٍ " يَتَعَلَّقُ بِمُؤَثِّرٍ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ عَلَيْهِ وَهُوَ " مِمَّا امْتَنَعَ " وَكُلُّ " مُبْتَدَأٌ مُضَافٌ إلَى " مَا " وَهِيَ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَى شَرْطٍ، أَيْ كُلُّ شَرْطٍ.
وَجُمْلَةُ " لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرُ " صِفَةُ " مَا "، وَجُمْلَةُ " جَوَازُهُ مَأْثُورُ " مِنْ الْمُبْتَدَأ، وَالْخَبَرُ خَبَرُ " كُلُّ " وَمَأْثُورٌ، أَيْ مَرْوِيٌّ، وَ " الشَّرْطُ " مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ الشَّرْطِ وَجَوَابُهَا، وَمَرَّ إنْ كَانَ حَرَامًا بَطَلَا بِهِ الْمَبِيعُ مُطْلَقًا، وَ " إنْ جُعِلَ " حَشْوٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ إنْ وَقَعَ وَذَلِكَ هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ، وَالْمَبِيعُ فَاعِلُ بَطَلَ
(1/280)

وَهُوَ بِمَعْنَى الْبَيْعِ أَوْ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ بَطَلَ بَيْعُ الْمَبِيعِ (تَنْبِيهَاتٌ. الْأَوَّلُ) الْمَنْعُ فِي الشَّرْطِ الْحَلَالِ الْمُؤَثِّرِ فِي الثَّمَنِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا اسْتَمَرَّ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى شُرُوطِهِمَا، أَمَّا إنْ أَسْقَطَاهُ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ، وَكَذَا يُقَيَّدُ الْمَنْعُ أَيْضًا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَنْ لَا يَبِيعَ بِمَا إذَا عَمَّمَ، أَوْ اسْتَثْنَى قَلِيلًا كَقَوْلِهِ لِلْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهُ جُمْلَةً، أَوْ لَا يَبِيعَهُ إلَّا مِنْ فُلَانٍ.
وَأَمَّا إذَا خَصَّ نَاسًا قَلِيلِينَ كَقَوْلِهِ بِعْهُ لِمَنْ شِئْتَ إلَّا لِفُلَانٍ، أَوْ لِبَنِي فُلَانٍ، وَهُمْ قَلِيلُونَ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِمْ فَلَا يَمْتَنِعُ هَذَا الشَّرْطُ، إذْ لَا تَحْجِيرَ فِيهِ وَلَا بَدَّ وَلَا تَأْثِيرَ فِي الثَّمَنِ. (الثَّانِي) اعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي اشْتِرَاطِ السَّلَفِ بَيْنَ كَوْنِهِ بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَذَلِكَ كَمَنْ بَاعَ شَيْئًا لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ، وَاشْتَرَطَ هَذَا الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي عَدَمَ الْمُقَاصَّةِ، بَلْ يَقْتَضِيهِ ثَمَنُ هَذَا الْمَبِيعِ.
وَيَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حُلُولِهِ فَهَذَا بَيْعٌ وَاشْتِرَاطُ سَلَفٍ؛ لِأَنَّ مَنْ أَخَّرَ مَا أَوْجَبَ لَهُ عُدَّ مُسَلِّفًا، وَالْمُسَلَّفُ هُنَا الْمُشْتَرِي مِنْ هَذَا الْمَدِينِ. اُنْظُرْ الْحَطَّابَ، أَوْ فَصْلَ الْمُقَاصَّةِ. (الثَّالِثُ) اعْلَمْ أَنَّ النَّاظِمَ قَسَّمَ الشَّرْطَ الْمُصَاحِبَ لِعَقْدِ الْبَيْعِ إلَى حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَقَسَّمَ الْحَلَالَ إلَى مُؤَثِّرٍ فِي الثَّمَنِ وَغَيْرِ مُؤَثِّرٍ، وَتَلَخَّصَ مِنْ حُكْمِهِمَا أَنَّ الشَّرْطَ الْحَرَامَ وَالْحَلَالَ الْمُؤَثِّرَ فِي الثَّمَنِ، الْبَيْعُ مَعَهُمَا فَاسِدٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَأَنَّ الشَّرْطَ الْحَلَالَ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي الثَّمَنِ، الْبَيْعُ فِيهِ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ مَعْمُولٌ بِهِ.
وَبَقِيَ عَلَيْهِ قِسْمٌ ثَالِثٌ تَوَسَّطَ بَيْنَهُمَا، الْبَيْعُ فِيهِ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَذَلِكَ كَمَنْ اشْتَرَطَ فِي بَيْعِ الْجَارِيَةِ، أَوْ الْعَبْدِ كَوْنَهُمَا عُرْيَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ ثَوْبٍ أَصْلًا، وَكَمَنِ اشْتَرَطَ ثِمَارًا، أَوْ حَبًّا مَعَ أَرْضِهِ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَاشْتَرَطَ الزَّكَاةَ عَلَى الْبَائِعِ، وَكَاشْتِرَاطِ الْبَائِعِ أَنْ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ فِي عَيْبٍ، أَوْ اسْتِحْقَاقٍ، أَوْ لَا جَائِحَةَ عَلَيْهِ فِي ثِمَارٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ لَا مُوَاضَعَةَ فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي فِيهَا الْمُوَاضَعَةُ، أَوْ اشْتَرَطَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ الْمُشْتَرِطُ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا، فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا فَالْبَيْعُ فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ صَحِيحٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ إلَّا إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ فِي آخِرِهَا أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِدَفْعِهِ.
وَكَذَا الْبَيْعُ عَلَى شَرْطِ عَدَمِ الْمُقَاصَّةِ، وَكَذَا اشْتِرَاطُ مَنْ اشْتَرَى بِدَيْنٍ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَحِلُّ بِمَوْتِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ فِي " تَعْدَادِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ، وَكَبَيْعٍ وَشَرْطٍ يُنَاقِضُ الْمَقْصُودَ كَأَنْ لَا يَبِيعَ " ثُمَّ قَالَ " أَوْ يُخِلَّ كَبَيْعٍ وَسَلَفٍ " ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْوَجْهِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ " مُشْبِهًا فِي الصِّحَّةِ كَشَرْطِ رَهْنٍ وَحَمِيلٍ " وَأَشَارَ إلَى الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ فِي فَصْلِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْبَيْعُ " وَالْعَبْدِ ثِيَابَ مِهْنَتِهِ، وَهَلْ يُوفِي بِشَرْطِ عَدَمِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَوْ لَا؟ كَمُشْتَرِطِ زَكَاةِ مَا لَمْ يَطِبْ، وَأَنْ لَا عُهْدَةَ، أَوْ لَا مُوَاضَعَةَ، أَوْ لَا جَائِحَةَ أَوْ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ لِكَذَا فَلَا بَيْعَ.
(التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ) اعْلَمْ
(1/281)

أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - نَزَّلَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَنَزَّلَ مَا وَرَدَ مِنْ فَسَادِ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ مَعًا عَلَى الشَّرْطِ الْحَرَامِ وَالْحَلَالِ الْمُؤَثِّرِ فِي الثَّمَنِ، وَنَزَّلَ مَا وَرَدَ مِنْ جَوَازِهِمَا عَلَى الشَّرْطِ الْحَلَالِ الَّذِي لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الثَّمَنِ.
وَنَزَّلَ مَا وَرَدَ مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ وَبُطْلَانِ الشَّرْطِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ. (ابْنُ رُشْدٍ) رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْوَارِثِ بْنَ سَعِيدٍ قَالَ قَدِمْتُ مَكَّةَ فَوَجَدْت فِيهَا أَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ أَبِي لَيْلَى وَابْنَ شُبْرُمَةَ فَقُلْتُ لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ بَاعَ بَيْعًا وَاشْتَرَطَ شَيْئًا فَقَالَ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا قَالَا «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا: قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ وَأُعْتِقَهَا، وَإِنْ اشْتَرَطَ أَهْلُهَا الْوَلَاءَ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ» : الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
ثُمَّ أَتَيْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا قَالَا قَالَ «جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِعْتُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَاقَةً وَشَرَطَ لِي حِلَابَهَا وَظَهْرَهَا إلَى الْمَدِينَةِ» : الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ جَائِزٌ. فَعَرَفَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا فَاسْتَعْمَلَهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَتَأَوَّلَهَا عَلَى وُجُوهِهَا، وَلَمْ يُمْعِنْ غَيْرُهُ النَّظَرَ، وَلَا أَحْسَنَ تَأْوِيلَ الْأَثَرِ اهـ.
وَإِلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَشَارَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِقَوْلِهِ
بَيْعُ الشُّرُوطِ الْحَنَفِيُّ حَرَّمَهْ ... وَجَابِرٌ سَوَّغَ لِابْنِ شبرمة
وَفُصِّلَتْ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَمَهْ ... وَمَالِكٌ إلَى الثَّلَاثِ قَسَّمَهْ
وَمُرَادُهُ بِالتَّفْصِيلِ: جَوَازُ الْبَيْعِ.
وَبُطْلَانُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ جَوَازُهُمَا، أَوْ بُطْلَانُهُمَا، وَالْمُرَادُ بِالْأَمَةِ: بَرِيرَةُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَمَالِكٌ إلَى الثَّلَاثِ قَسَّمَهْ " أَنَّ مَالِكًا قَسَّمَ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ إلَى الثَّلَاثَةِ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِ الشَّيْخِ ابْنِ غَازِيٍّ " إلَى الثَّلَاثِ " لِلْعَهْدِ وَالْمَعْهُودُ، الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ: قِسْمٌ يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ مَعًا وَذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّرْطُ حَلَالًا وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي الثَّمَنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِسْمٌ يَبْطُلَانِ مَعًا وَذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّرْطُ حَرَامًا، أَوْ حَلَالًا وَأَثَّرَ فِي الثَّمَنِ.
وَقِسْمٌ يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ وَذَلِكَ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ، فَلَيْسَ مَوْضُوعُ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَاحِدًا حَتَّى يَكُونَ خِلَافًا حَقِيقَةً، بَلْ مَوْضُوعُ كُلِّ قَوْلٍ خِلَافُ مَوْضُوعِ الْقَوْلِ الْآخَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَوْضُوعِ كُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَبْلَ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ هَذَا (فَرْعٌ) إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ وَلَا يُعْتِقَ حَتَّى يُعْطِيَ الثَّمَنَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ إعْطَاؤُهُ الثَّمَنَ لِأَجَلٍ مَعْلُومٍ نَقَلَهُ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ (قُلْت) : وَلَعَلَّ هَذِهِ فِي الْأُصُولِ فَقَطْ، أَوْ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا إذَا وَضَعَ الْمَبِيعَ عِنْدَ أَمِينٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ
وَشَرْطُ إبْقَاءِ الْمَبِيعِ فِي الثَّمَنْ
رَهْنًا الْبَيْتَيْنِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ هُنَا إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ كَالرَّهْنِ.
وَهُوَ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَإِذَا كَانَ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْآتِيَةُ لِلنَّاظِمِ (فَرْعٌ) قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الضَّرَرِ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ فِيمَنْ لَهُ دَارَانِ بَاعَ إحْدَاهُمَا، وَاشْتَرَطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ لَا يَرْفَعَ عَلَى الْحَائِطِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الدَّارَيْنِ شَيْئًا مَخَافَةَ أَنْ يُظْلِمَ عَلَيْهِ دَارِهِ وَيَمْنَعَ مِنْ دُخُولِ الشَّمْسِ فِيهَا فَالْتَزَمَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَالشَّرْطَ لَازِمٌ. اهـ.
وَجَمْعُ بَيْعٍ مَعَ شِرْكَةٍ وَمَعْ ... صَرْفٍ وَجُعْلٍ وَنِكَاحٍ امْتَنَعْ
وَمَعْ مُسَاقَاةٍ وَمَعْ قِرَاضِ ... وَأَشْهَبُ الْجَوَازُ عَنْهُ مَاضِ
يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَنَسَبَهُ الشَّارِحُ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَجْتَمِعَ الْبَيْعُ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ السِّتِّ الَّتِي أَوَّلُهَا الشَّرِكَةُ وَآخِرُهَا الْقِرَاضُ خِلَافًا لِأَشْهَبَ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ الْقَرَافِيِّ مَنْعَ اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السِّتِّ، وَبَقِيَ عَلَى النَّاظِمِ الْقَرْضُ، أَيْ السَّلَفُ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْبَيْعِ وَكَمَا لَا يَجْتَمِعُ الْبَيْعُ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ بِزِيَادَةِ الْقَرْضِ فَكَذَلِكَ
(1/282)

لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِافْتِرَاقِ أَحْكَامِهَا هَكَذَا عِبَارَتُهُمْ، وَأَخْصَرُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ ثَمَانِيَةُ عُقُودٍ لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ قُلْت فِي ذَلِكَ تَبَعًا لِغَيْرِي فِي جُلِّ التَّعْبِيرِ مَا نَصُّهُ
عُقُودٌ مَنَعْنَا اثْنَيْنِ مِنْهَا بِعُقْدَةٍ ... لِكَوْنِ مَعَانِيهَا مَعًا تَتَفَرَّقُ
فَجُعْلٌ وَصَرْفٌ وَالْمُسَاقَاةُ شِرْكَةٌ ... نِكَاحٌ قِرَاضٌ قَرْضُ بَيْعٌ مُحَقَّقُ
وَبَاءُ " بِعُقْدَةِ " ظَرْفِيَّةٌ وَ " قَرْضُ " بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وَحُذِفَ الْعَاطِفُ لِلْوَزْنِ " وَمَعًا " بِمَعْنَى جَمِيعًا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ
وَأَشْهَبُ الْجَوَازُ عَنْهُ مَاضِ
أَنَّ أَشْهَبَ يَقُولُ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ السِّتِّ، وَاَلَّذِي فِي ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ يَقُولَ بِجَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالصَّرْفِ وَلَفْظُهُ.
وَالصَّرْفُ وَالْبَيْعُ مُمْتَنِعٌ خِلَافًا لِأَشْهَبَ، وَالتَّصْرِيحُ بِمَنْعِ جَمْعِ الْبَيْعِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ هُوَ مِنْ زِيَادَةِ هَذَا النَّاظِمِ عَلَى مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ إلَّا مَنْعَ اجْتِمَاعِ الْإِجَارَةِ وَالْجُعْلِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ حَيْثُ قَالَ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ كَمَعَ جُعْلٍ لَا بَيْعٍ، وَيَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ هُنَا الْإِجَارَةُ وَالْكِرَاءُ؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعُ مَنَافِعَ، فَكَمَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْبَيْعِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ السِّتِّ، كَذَلِكَ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ مَعَ وَاحِدٍ مِنْهَا.
وَيَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ الْإِجَارَةِ، أَوْ الْكِرَاءِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْكِرَاءِ، أَوْ الْبَيْعِ مَعَ الْجُعْلِ مَثَلًا، أَمَّا مَنْعُ اجْتِمَاعِ الْإِجَارَةِ مَعَ الْجُعْلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي نَصِّ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَنَجَسٌ صَفْقَتُهُ مَحْظُورَهْ ... وَرَخَّصُوا فِي الزِّبْلِ لِلضَّرُورَةِ
تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ بَيْعُ مَا هُوَ نَجَسٌ، كَالزِّبْلِ لَكِنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي بَيْعِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى الِانْتِفَاعِ بِهِ، نَقَلَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ الْمُقَرِّبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَكْرَهُ بَيْعَ رَجِيعِ بَنِي آدَمَ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي الزِّبْلِ شَيْئًا وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا. اهـ.
(وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ) وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا زُبِلَ بِهِ، أَيْ بِرَجِيعِ بَنِي آدَمَ، وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَرِهَهُ وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، قَالَ أَشْهَبُ: أَكْرَهُ بَيْعَ رَجِيعِ بَنِي آدَمَ إلَّا مَنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ، وَالْمُبْتَاعُ أَعْذَرُ فِي شِرَائِهِ مِنْ بَائِعِهِ (قَالَ الشَّارِحُ) أَقُولُ: مَسَاقُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ يَقْتَضِي كَرَاهَتَهَا فَلِذَلِكَ عَبَّرَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي بَيْعِ الزِّبْلِ، وَتَبِعَهُمْ الشَّيْخُ اهـ.
(قُلْت) وَمِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى نَجَاسَتِهِ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِالنَّجَاسَةِ كَالْمُجْتَمِعِ مِنْ الْمَرَاحِيضِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى الزِّبْلِ فِي التَّرَخُّصِ فِي جَوَازِ بَيْعِهِ أَحْرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فِي بَيْعِ مَا ظَهَرَ مِنْ فَضَلَاتِ الْبَهَائِمِ، قَالَ فِي الْمُقَرِّبِ " قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بَعْرِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَأَخْثَاءِ الْبَقَرِ " وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ خُرْءِ الْحَمَامِ وَالدَّجَاجِ غَيْرِ الْمُخَلَّاةِ، وَفِي الْمُخَلَّاةِ نَظَرٌ، صَحَّ مِنْ الشَّارِحِ. وَ " الْمَحْظُورُ " بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ: الْمَمْنُوعُ، وَالتَّصْرِيحُ بِالتَّرْخِيصِ فِي بَيْعِ الزِّبْلِ مِنْ زِيَادَةِ هَذَا النَّاظِمِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ.
(1/283)


كتاب الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام- بَابٌ فِي الْبُيُوعِ وَمَا شَاكَلَهَا - فصل في بيع الأصول

[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ]
ِ
الْبَيْعُ فِي الْأُصُولِ جَازَ مُطْلَقَا ... إلَّا بِشَرْطٍ فِي الْبُيُوعِ مُتَّقَى
بِأَضْرُبِ الْأَثْمَانِ وَالْآجَالِ ... مِمَّنْ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ
أَخْبَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأُصُولِ، كَالدُّورِ، وَالْحَوَائِطِ، وَالْحَوَانِيتَ، وَالْأَرَاضِي، وَغَيْرِهَا، إلَّا أَنْ يَصْحَبَ بَيْعَهَا شَرْطٌ يُتَّقَى فِي الْبُيُوعِ لِكَوْنِهِ يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الْمُشْتَرِي، أَوْ يُخِلُّ بِالثَّمَنِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ إذْ ذَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَاسْتِثْنَاؤُهُ الشَّرْطَ الْمُتَّقَى فِي الْبَيْعِ يُغْنِي عَنْهُ مَا سَبَقَ وَلَعَلَّهُ خَافَ تَوَهُّمَ جَوَازِهِ بِالِانْدِرَاجِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ " جَازَ مُطْلَقًا " فَاسْتَثْنَاهُ لِذَلِكَ فَإِذَا خَلَا بَيْعُهَا عَنْ الشَّرْطِ الْمَمْنُوعِ فَهُوَ جَائِزٌ بِالْعَيْنِ، وَالْعَرْضِ، وَالطَّعَامِ، وَالرَّقِيقِ، وَالدَّوَابِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَثْمَانِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَّمَنُ نَقْدًا وَإِلَى أَجَلٍ، أَيْ مَعْلُومٌ غَيْرُ بَعِيدٍ جِدًّا، وَإِلَى هَذَا التَّعْمِيمِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلْإِطْلَاقِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ " مِمَّنْ لَهُ تَصَرُّفٌ " يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْعِ، أَيْ بَيْعُ الْأُصُولِ جَائِزٌ إذَا وَقَعَ وَصَدَرَ مِمَّنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَالِ وَهُوَ الرَّشِيدُ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِاشْتِرَاطِ الرُّشْدِ فِي الْبَائِعِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ " مِمَّنْ لَهُ تَصَرُّفٌ " بِمَعْنَى اللَّازِمِ، أَيْ يَجُوزُ بَيْعُ الْأُصُولِ لِمَنْ لَهُ التَّصَرُّفُ فَيَكُونُ نَصًّا فِي اشْتِرَاطِ الرُّشْدِ فِي الْمُشْتَرِي أَيْضًا.
وَكُلٌّ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ صَحِيحٌ، إذْ الرُّشْدُ شَرْطٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ إلَّا أَنَّهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ لَا فِي الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّ الِانْعِقَادَ يَجُوزُ مِنْ الْمُمَيِّزِ وَلَوْ مَحْجُورًا، وَلَا يَلْزَمُ إلَّا مِنْ الرَّشِيدِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ الشَّرْطُ لَا يَخْتَصُّ بِبَيْعِ الْأُصُولِ، بَلْ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعَاتِ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ: الْبَلَدُ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ جَمِيعُ السِّكَكِ جَوَازًا وَاحِدًا لَا فَضْلَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ لَيْسَ عَلَى مَنْ ابْتَاعَ فِيهِ شَيْئًا أَنْ يُبَيِّنَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ، وَيُجْبَرُ الْبَائِعُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ كُلَّ سِكَّةٍ أَعْطَاهُ كَمَا أَنَّ الْبَلَدَ إذَا كَانَتْ تَجْرِي فِيهِ سِكَّةٌ وَاحِدَةٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ، وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَقْبِضَ السِّكَّةَ الْجَارِيَةَ، وَأَمَّا الْبَلَدُ الَّذِي تَجْرِي فِيهِ جَمِيعُ السِّكَكِ، وَلَا تَجُوزُ فِيهِ بِجَوَازِ وَاحِدٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهِ حَتَّى يُبَيِّنَ بِأَيِّ سِكَّةٍ يَبْتَاعُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا. اهـ.
(فَرْعٌ) سُئِلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ لُبٍّ عَمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ، وَهُوَ أَنْ يَتَسَامَحَ النَّاسُ فِي اقْتِضَاءِ الدَّرَاهِمِ النَّاقِصَةِ عَنْ الْوَازِنَةِ إلَى أَنْ تَصِيرَ الدَّرَاهِمُ كُلُّهَا نَقْصًا وَيَقَعُ التَّشَاحُّ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ فِي زَمَنِ التَّسَامُحِ، وَوُقُوعُ الْقَبْضِ فِي وَقْتٍ آخَرَ يَكُونُ أُولُو الْأَمْرِ قَدْ أَلْزَمُوا النَّاسَ التَّعَامُلَ بِالْوَزْنِ.
(فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْعُقُودَ مَحْمَلُهَا عَلَى السِّكَّةِ الْوَازِنَةِ عَلَى أَصْلِهَا، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْعُرْفُ فِي الْعُقُودِ، وَمَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْمُسَامَحَةِ، كَالتَّعَامُلِ النَّاجِزِ عِنْدَ الِاقْتِضَاءِ لَا تَعْمُرُ بِهِ الذِّمَمُ، وَلَا يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الْعُقُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ الْفِقْهِيُّ فِي النَّازِلَةِ أَنْ يُنْظَرَ إلَى تَوَارِيخِ الْعُقُودِ فَمَا انْعَقَدَ مِنْهَا عَلَى الْمُسَامَحَةِ فِي وَقْتِ اخْتِلَاطِ الدَّرَاهِمِ فِي التَّعَامُلِ وَجَوَازِ النَّاقِصِ مَعَ الْوَازِنِ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْأَغْرَاضِ بِالْوَازِنَةِ دُونَ النَّاقِصَةِ فَالْحُكْمُ فِيهَا بِالْوَازِنَةِ.
وَإِنْ جَرَتْ النَّاقِصَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى التَّجَاوُزِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى الطَّوْعِ، فَأَمَّا مَا يُحْكَمُ بِهِ، وَمَا يُبْدِي الْحَالِفُ عَلَى الْقَضَاءِ فَبِالْوَازِنَةِ الَّتِي ضُرِبَتْ عَلَيْهَا سِكَّةُ ذَلِكَ الْبَلَدِ، قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ السِّكَّةَ الْمَوْجُودَةَ الْبَاقِيَةَ عَلَى ضَرْبِهَا هِيَ الْأَصْلُ فِي تَعَلُّقِ الْحُقُوقِ بِهَا دُونَ مَا دَخَلَهُ الْفَسَادُ مِنْهَا، إذْ التَّسَامُحُ فِي قَبْضِهِ مَعْرُوفٌ يَصْنَعُهُ الْقَابِضُ، وَلَا يَدْخُلُ بِالْحُقُوقِ فِي بَابِ التَّسَامُحِ وَالْمَعْرُوفِ مَعَ السُّكُوتِ عَنْهُ، وَمَا انْعَقَدَ عَلَى الْمُسَاكَنَةِ فِي آخِرِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَقْتَ أَنْ خَلَتْ وُجُوهُ التَّعَامُلِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْوَازِنَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ، فَالْوَاجِبُ فِيهِ الْآنَ الْحُكْمُ بِالدَّرَاهِمِ الْجَارِيَةِ فِي وَقْتِ التَّعَاقُدِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ حِينَئِذٍ مُتَعَلَّقُ الْأَغْرَاضِ وَمَنَاطُ الْأَحْكَامِ فَيَبْقَى الْأَمْرُ بَعْد ذَلِكَ كَمَا كَانَ قَائِمًا؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ إلَى مَا يَجِدُونَ وَيَعْقِدُونَ عَلَى مَا يَعْتَادُونَ، وَالْعَادَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ كَالشَّرْطِ.
وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ الْمُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّهُ عِنْد وُجُودِ الْوَازِن مُخْتَلَطًا
(1/284)

بِالنَّاقِصِ فَلَمْ يُعَيِّنْ عُرْفُ التَّعَامُلِ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ بِخِلَافِ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي خَصَّ الْوُجُودُ فِيهِ الْوَصْفَ وَعَيَّنَ الْمَقْصُودَ اهـ. بِاخْتِصَارٍ
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ سَلْمُونٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْعَقْدِ أَنَّهُ قَبَضَهَا مُقَلَّبَةً، ثُمَّ أَتَى الْبَائِعُ بِدَرَاهِمَ رَدِيئَةٍ يَزْعُمُ أَنَّهَا مِنْ دَرَاهِمِ الْمُبْتَاعِ وَأَنْكَرَهَا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ سَقَطَ هَذَا الْفَصْلُ مِنْ الْعَقْدِ وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَلَهُ رَدُّ الْيَمِينِ، فَإِنْ رَدَّهَا حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهَا مِنْ دَرَاهِمِ الْمُبْتَاعِ، وَوَجَبَ لَهُ الْبَدَلُ. اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمَوَّاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْبُيُوعِ، وَعَدَمِ دَفْعِ رَدِيءٍ، أَوْ نَاقِصٍ " مَنْ صَرَفَ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ فَغَابَ عَلَيْهَا ثُمَّ رَدَّ مِنْهَا رَدِيئًا فَأَنْكَرَهُ الصَّرَّافُ فَمَا عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ، وَمَا يَعْلَمُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَبَضَ طَعَامًا عَلَى تَصْدِيقِ الْكَيْلِ، ثُمَّ ادَّعَى نَقْصًا، أَوْ اقْتَضَى دَيْنًا، ثُمَّ أَخَذَ صُرَّةً صَدَّقَ الدَّافِعُ أَنَّ فِيهَا كَذَا، ثُمَّ وَجَدَهَا تَنْقُصُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ.
(فَرْعٌ) يَجُوزُ تَأْخِيرُ الثَّمَنِ إلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ جِدًّا (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) قِيلَ لِمَالِكٍ: أَتَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ إلَى عِشْرِينَ سَنَةً، قَالَ نَعَمْ، قِيلَ لَهُ: أَنَفْسَخُهُ؟ قَالَ لَا قَالَ، وَلَوْ كَانَ سَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ لَفَسَخْتُهُ، وَقَدْ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ إذَا وَقَعَ إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً جَازَ وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ عِنْدِي، فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الْبَيْعِ مُدَّةً طَوِيلَةً، ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا إشْهَادٌ فَلَا تَبْطُلُ إلَّا بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ كَالثَّلَاثِينَ سَنَةً وَالْأَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ الدُّيُونُ إنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ الْأَصْلِ إذَا تَطَاوَلَ زَمَانُهَا هَكَذَا، وَمَنْ هِيَ عَلَيْهِ حَاضِرٌ فَلَا يَقُومُ بِدَيْنِهِ إلَّا بَعْدَ هَذَا مِنْ الزَّمَانِ فَيَقُولُ " قَضَيْتُكَ وَبَادَ شُهُودِي " مِنْ ابْنِ سَلْمُونٍ وَانْظُرْ الْحَطَّابَ فِي آخِرِ بَابِ الشَّهَادَاتِ قَبْلَ قَوْلِهِ " بَابُ إنْ أَتْلَفَ مُكَلَّفٌ. . . إلَخْ "
وَجَائِزٌ أَنْ يُشْتَرَى الْهَوَاءُ ... لَأَنْ يُقَامَ مَعَهُ الْبِنَاءُ
هُنَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا شِرَاءُ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ مَثَلًا مِنْ هَوَاءٍ فَوْقَ سَقْفِ بَيْتٍ لَأَنْ يُقِيمَ مُشْتَرِيهِ فِي ذَلِكَ الْهَوَاءِ مَا أَحَبَّ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْهَوَاءُ مُقَدَّرًا بِأَذْرُعٍ مَعْلُومَةٍ، وَوَصَفَ الْبِنَاءَ الَّذِي يَبْنِي عَلَيْهِ بِصِفَةٍ مَضْبُوطَةٍ. (الثَّانِيَةُ) شِرَاءُ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ مَثَلًا مِنْ هَوَاءٍ فَوْقَ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ إذَا وَصَفَ الْبِنَاءَ الْأَسْفَلَ وَالْأَعْلَى؛ لِأَنَّ مَتَانَةَ الْأَسْفَلِ مِمَّا يَرْغَبُ فِيهِ صَاحِبُ الْأَعْلَى، وَخِفَّةَ الْأَعْلَى مِمَّا يَرْغَبُ فِيهِ صَاحِبُ الْأَسْفَلِ. (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) يَجُوزُ بَيْعُ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ فَصَاعِدًا مِنْ هَوَاءِ بَيْتٍ إنْ وَصَفَ مَا يَبْنِي فَوْقَ جِدَارِهِ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ فَوْقَ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ مِنْ هَوَاءٍ إذَا شَرَطَ بِنَاءً يَبْنِيهِ وَيَصِفُهُ لِيَبْنِيَ الْمُبْتَاعُ فَوْقَهُ. اهـ. مِنْ الْمَوَّاقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَ النَّاظِمِ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ، فَإِنْ شَمِلَهُمَا فَالْأَوْلَى مِنْ زِيَادَةِ هَذَا النَّظْمِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا أَنْ يُقَالَ تُؤْخَذُ مِنْ بَابٍ أَحْرَى مِمَّا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُخْتَصَرِ فَلَا زِيَادَةَ.
وَمَا عَلَى الْجُزَافِ وَالتَّكْسِيرِ ... يُبَاعُ مَفْسُوخٌ لَدَى الْجُمْهُورِ
التَّكْسِيرُ: الْكَيْلُ وَالْكَلَامُ فِي الْأُصُولِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ أَرْضٌ بَعْضُهَا بِالْكَيْلِ وَبَعْضُهَا جُزَافًا، كَأَنْ يَشْتَرِيَ أَرْضًا مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْهَا بِكَذَا وَبَاقِيَهَا بِكَذَا، أَوْ اشْتَرَى أَرْضًا عَلَى كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَاشْتَرَى مَعَهَا شَجَرًا، أَوْ كَرْمًا، أَوْ دُورًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فُسِخَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَفُهِمَ مِنْ نِسْبَةِ الْفَسْخِ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ لَا يَفْسَخُهُ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ مِنْ الْأَشْيَاءِ مَا الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُبَاعَ كَيْلًا، كَالْحُبُوبِ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا وَأَنَّ مِنْهَا مَا الْأَصْلُ فِيهِ أَنْ يُبَاعَ جُزَافًا، كَالْأَرْضِ، وَالثِّيَابِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ كَيْلًا، وَالضَّابِطُ لِمَا يَجُوزُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْجُزَافِ وَالْمَكِيلِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ
(1/285)

إذَا جَاءَ كُلٌّ مِنْ الْمَبِيعِينَ عَلَى أَصْلِهِ جَازَ كَبَيْعِ جُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِ حَبٍّ لِمَجِيءِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى أَصْلِهِ، وَإِنْ خَرَجَا مَعًا عَنْ أَصْلِهِمَا، كَجُزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلِ أَرْضٍ، أَوْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ كَجُزَافِ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلِ أَرْضٍ، أَوْ جُزَافِ حَبٍّ مَعَ مَكِيلِ حَبٍّ امْتَنَعَ لِمَجِيءِ مَكِيلِ الْأَرْضِ فِي الْأُولَى، وَجُزَافِ الْحَبِّ فِي الثَّانِيَةِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَإِلَى هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ عَاطِفًا عَلَى مَا يَجُوزُ " وَجُزَافُ حَبٍّ مَعَ مَكِيلٍ مِنْهُ، أَوْ أَرْضٌ، وَجُزَافُ أَرْضٍ مَعَ مَكِيلٍ لَا مَعَ حَبٍّ ".
(قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ غَازِيٍّ) فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ بَعْدَ تَقْدِيرِ كَلَامِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ، وَقَدْ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ اشْتَمَلَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: ثَلَاثَةٍ مَمْنُوعَةٍ، وَوَاحِدٍ جَائِزٍ، وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ لِابْنِ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْغَرَرِ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ جَامِعِ الْبُيُوعِ. (تَنْبِيهٌ) مِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ الْمَوْزُونَ، وَالْمَزْرُوعَ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَعْنَى الْكَيْلِ، وَقَدْ تَنَازَلَ لِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ جَمَاعَةَ " لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ قِرْبَةَ لَبَنٍ عَلَى أَنْ يَزِنَ زُبْدَهَا، وَإِنَّمَا يَشْتَرِي ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ غَيْرِ وَزْنٍ. اهـ.
كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ (تَنْبِيهَانِ. الْأَوَّل) قَالَ الْمَوَّاقُ: وَانْظُرْ مَسْأَلَةً تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى وَهِيَ أَنَّ الْمَرْءَ يَشْتَرِي مِنْ الْعَطَّارِ وَزْنًا مَعْلُومًا مِنْ شَيْءٍ وَيَفْضُلُ لَهُ دِرْهَمٌ فَيَقُولُ لَهُ: أَعْطِنِي بِهِ أَبْزَارًا، وَالْأَبْزَارُ بِالدِّرْهَمِ يَكُونُ جُزَافًا فَهَذَا جَائِزٌ إذَا لَمْ يَدْخُلَا عَلَى ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعُقْدَةِ اهـ.
(الثَّانِي) إنْ جَعَلْنَا مَا مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ " وَمَا عَلَى الْجُزَافِ " وَاقِعَةً عَلَى كُلِّ مَبِيعٍ أَصْلًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ فَيُقَيَّدُ الْمَنْعُ بِمَا إذَا خَرَجَ الْمَبِيعَانِ مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ أَصْلِهِ، أَمَّا إنْ جَاءَ عَلَى أَصْلِهِ فَالْجَوَازُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا وَاقِعَةً عَلَى الْأُصُولِ فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرُ السِّيَاقِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَقْيِيدٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْأُصُولِ بَعْضَهُ جُزَافًا وَبَعْضَهُ مَكِيلًا مَمْنُوعٌ مُطْلَقًا لِخُرُوجِ الْمَكِيلِ عَنْ أَصْلِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَآبِرٌ مِنْ زَرْعٍ أَوْ مِنْ شَجَرِ ... لِبَائِعٍ إلَّا بِشَرْطِ الْمُشْتَرِي
وَلَا يَسُوغُ بِاشْتِرَاطِ بَعْضِهِ ... وَإِنْ جَرَى فَلَا غِنًى عَنْ نَقْضِهِ
وَغَيْرُ مَا أُبِرَ لِلْمُبْتَاعِ ... بِنَفْسِ عَقْدِهِ بِلَا نِزَاعِ
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُهُ لِلْبَائِعِ ... وَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ بِهِ فِي الْوَاقِعِ
وَفِي الثِّمَارِ عَقْدُهَا الْإِبَارُ ... وَالزَّرْعِ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ
كَذَا قَلِيبُ الْأَرْضِ لِلْمُبْتَاعِ ... دُونَ اشْتِرَاطِهِ فِي الِابْتِيَاعِ
(1/286)

الْأَصْلُ فِي هَذَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» فَمَنْ بَاعَ شَجَرًا فِيهَا ثِمَارٌ، أَوْ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى الثِّمَارِ وَلَا عَلَى الزَّرْعِ فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مَأْبُورًا فَهُوَ لِلْبَائِعِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ كُلَّهُ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي اشْتِرَاطُ بَعْضِ مَا أُبِرَ وَتَرْكِ مَا سِوَاهُ وَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يُنْقَضَ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِالْبَيْتَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ نِصْفَ الزَّرْعِ، أَوْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ إذَا كَانَ الْجَمِيعُ لِلْبَائِعٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَسَدَتْ الصَّفْقَةُ، وَفُسِخَ الْبَيْعُ.
(قَالَ الْمُتَيْطِيُّ) : وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي اشْتِرَاطِ بَعْضِهِ قَاصِدٌ لِابْتِيَاعِ الزَّرْعِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْجَمِيعِ. اهـ.
وَمَا لَمْ يُؤْبَرْ مِنْهَا فَإِنَّهُ لِلْمُبْتَاعِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ حَسْبَمَا أَحْكَمَتْهُ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ فِي الْحَدِيثِ «إنَّهَا تَكُونُ لِلْبَائِعِ إذَا أُبِرَتْ» ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ إذَا لَمْ تُؤْبَرْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِطَهَا لِنَفْسِهِ، فَإِنْ وَقَعَ فَالْحُكْمُ فِيهِ أَنْ يُفْسَخَ الْبَيْعُ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ جَنِينَ الْأَمَةِ الْحَامِلِ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَعَلَى هَذَا نَبَّهَ بِقَوْلِهِ
وَغَيْرُ مَا أُبِرَ لِلْمُبْتَاعِ
الْبَيْتَيْنِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) وَالثَّمَرَةُ غَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ دَاخِلَةٌ فِي مِلْكِ الْمُبْتَاعِ بِوُقُوعِ الْبَيْعِ عَلَى الْأَصْلِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ اسْتِثْنَاءِ الْبَائِعِ لَهَا قَبْلَ الْإِبَارِ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ.
(قَالَ الشَّارِحُ) وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي كَوْنِ الْمُسْتَثْنَى مُشْتَرًى، وَهُوَ أَشْكَلُهُمَا لَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مِنْ كَوْنِهِ مُبْقًى وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ " قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِرَ بَعْضُهَا، وَلَمْ يُؤَبَّرْ الْآخَرُ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ وَيَجْعَلُ الْقَلِيلَ تَابِعًا لَهُ، إنْ كَانَ أَكْثَرَهَا فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَمْ يُؤْبَرْ أَكْثَرَهَا فَالثَّمَرُ لِلْمُبْتَاعِ.
(قَالَ مَالِكٌ) : كُلُّ ثَمَرَةٍ لَمْ تُؤْبَرْ فَهِيَ كَذَلِكَ، وَحَدُّ الْإِبَارِ فِي الثِّمَارِ: عَقْدُهَا، وَفِي الزَّرْعِ: إدْرَاكُ الْأَبْصَارِ إيَّاهُ، وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَفِي الثِّمَارِ عَقْدُهَا الْإِبَارُ
الْبَيْتُ (الْمُتَيْطِيُّ) شَرْحُ
الْإِبَارِ هُوَ فِي النَّخْلِ: تَذْكِيرُهُ بَعْدَ تَلْقِيحِهِ، وَفِي سَائِرِ الشَّجَرِ الْعَقْدُ، وَثُبُوتُ مَا يَثْبُتُ مِنْهُ بَعْدَ سُقُوطِ مَا يَسْقُطُ، وَنَبَاتُ الزَّرْعِ هُوَ كَإِبَارِ النَّخْلِ فِي الْحُكْمِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَبِهِ الْقَضَاءُ. (وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُفِيدِهِ) : وَإِبَارُ الزَّرْعِ هُوَ: خُرُوجُهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَإِبَارِ النَّخْلِ: التَّذْكِيرُ، وَإِبَارِ الْعِنَبِ وَالثَّمَرِ: الْعَقْدُ
قَوْلُهُ
كَذَا قَلِيبُ الْأَرْضِ لِلْمُبْتَاعِ
لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الثِّمَارَ غَيْرَ الْمَأْبُورَةِ يَتَنَاوَلُهَا عَقْدُ الْبَيْعِ اسْتَطْرَدَ قَلِيبَ الْأَرْضِ وَذَكَرَ أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَتَنَاوَلُهُ أَيْضًا. (قَالَ الشَّارِحُ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) " وَإِنْ كَانَ فِي الْمَبِيعِ أَرْضٌ مَقْلُوبَةٌ فَالْقَلِيبُ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ " قَالَهُ حُدَيْسٌ وَغَيْرُهُ وَبِهِ الْفَتْوَى صَحَّ مِنْ وَثَائِقِ ابْنِ مُغِيثٍ (قَالَ الشَّارِحُ) أَلَمَّ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ بِمَا يَتَنَاوَلُهُ مُسَمَّى الشَّيْءِ الْمَبِيعِ، وَمَا يَنْدَرِجُ فِي مُسَمَّاهُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُنْدَرِجًا فِي الْمَبِيعِ انْدِرَاجًا حِسِّيًّا، أَوْ مَعْنَوِيًّا بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ انْفِصَالُهُ مِنْهُ، أَوْ يَبْعُدُ كَالزَّرْعِ غَيْرِ الْمَأْبُورِ مَعَ الْأَرْضِ وَقَلِيبِهَا، وَكَالشَّجَرِ مَعًا وَالثِّمَارِ غَيْرِ الْمَأْبُورَةِ مَعَ الشَّجَرِ.
ثُمَّ قَالَ فَهَذَا الْقِسْمُ مِمَّا يَدْخُلُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، انْتَهَى مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ الْقَلِيبُ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ، وَالْمَسَائِلُ الَّتِي يُنْظَرُ فِيهَا هَلْ يَتَنَاوَلُهَا عَقْدُ الْبَيْعِ، أَوْ لَا؟ هِيَ مَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُ وَانْفِصَالُهُ عَنْ الْبَيْعِ؛ إمَّا فِي الْحَالِ، كَالسَّلَمِ الْمُسَمَّى، أَوْ فِي الْمَآلِ كَالزَّرْعِ، وَالثِّمَارِ غَيْرِ الْمَأْبُورَيْنِ فَإِنَّهُمَا بَعْدَ الْإِبَارِ يُرِيدُ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَا لَهُ، وَأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَا يَتَنَاوَلُهُمَا مَعًا، وَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي أَخْذَهُمَا لِنَفْسِهِ لِدُخُولِهِمَا فِي مُسَمَّى الْبَيْعِ فَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ مَا يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ وَمَا لَا.
أَمَّا قَلِيبُ الْأَرْضِ إنْ عَنَوْا بِهِ حَرْثَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ انْفِصَالُهُ حَالًا وَمَآلًا، حَتَّى يُمْكِنَ أَنْ يَدَّعِيَ الْبَائِعُ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْبَيْعُ فَبَقِيَ وَإِنَّمَا هُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ بَنَى فِي دَارِهِ، أَوْ صَلَّحَ فِيهَا، ثُمَّ بَاعَهَا أَيُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْبَيْعُ عَلَى أَنَّ الْبِنَاءَ يُمْكِنُ قَلْعُهُ وَأَخْذُ أَنْقَاضِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْقَلِيبُ؟ هَذَا مِمَّا أَشْكَلَ عَلَيَّ وَلَمْ أَفْهَمْ عَدَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا عَقْدُ الْبَيْعِ، وَأَنْ لَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدُوا بِالْقَلِيبِ الْبِئْرَ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا بِئْرٌ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا عَقْدُ الْبَيْعِ فَأَخْبَرَ أَنَّهَا لِلْمُشْتَرِي، وَأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ يَتَنَاوَلُهَا كَتَنَاوُلِ الْأَرْضِ لِلْأَشْجَارِ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَرُبَّمَا رَشَّحَهُ التَّعْبِيرُ بِالْقَلِيبِ دُونَ الْقَلْبِ
(1/287)

وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ) جَمِيعُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَبْيَاتُ السِّتُّ هُوَ مِنْ زِيَادَةِ هَذَا النَّظْمِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ مَا عَدَا كَوْنِ الثِّمَارِ الْمَأْبُورَةِ لِلْبَائِعِ، وَغَيْرِ الْمَأْبُورَةِ لِلْمُشْتَرِي
وَالْمَاءُ إنْ كَانَ يَزِيدُ وَيَقِلْ ... فَبَيْعُهُ لِجَهْلِهِ لَيْسَ يَحِلْ
(قَالَ الشَّارِحُ) إنْ كَانَ الْمَاءُ يَزِيدُ أَحْيَانًا وَيَنْقُصُ أَحْيَانًا بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُهُ الضَّبْطُ فَلَا يَحِلُّ بَيْعُهُ لِلْجَهْلِ بِهِ (فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ) ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الشِّرْبُ يَقِلُّ مَاؤُهُ مَرَّةً وَيَكْثُرُ أُخْرَى وَلَا يُوقَفُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَبَيْعُ الْمَجْهُولِ غَرَرٌ، وَلَا يَجُوزُ. قَالَ وَأَخْذُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى إطْلَاقِهِ مِمَّا يُشْكِلُ مَعَهُ بَيْعُ شُرُوبِ مَوَاضِعَ سَمَّاهَا قَالَ؛ لِأَنَّهَا تَقِلُّ فِي السِّنِينَ الْجَدْبَةِ، وَتَكْثُرُ فِي السِّنِينَ الْمَطِرَةِ، وَالظَّاهِرُ جَوَازُ الْمُعَاوَضَةِ فِيهَا لِارْتِبَاطِهَا بِمَا أَجْرَى اللَّهُ مِنْ الْعَادَةِ فِيهَا، فَالْمُتَعَاقِدَانِ يَعْلَمَانِ ذَلِكَ وَيَدْخُلَانِ عَلَيْهِ فَهُوَ كَالْغَرَرِ الْمُغْتَفَرِ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ، وَقَدْ لَا تَكُونُ لَهَا غَلَّةٌ فِي بَعْضِ السِّنِينَ وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْبَيْتِ وَمَا اُسْتُظْهِرَ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْلِ عَلَى مَا جَهِلَ الْمُتَعَاقِدَانِ مُعَاقَلَتَهُ وَكَثْرَتَهُ، وَتَكُونُ مِنْ التَّلَوُّنِ بِحَيْثُ لَا يَأْخُذُهَا الضَّبْطُ، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ الْكَلَامَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمَاءِ لِمَنْ يَمْلِكُهُ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ يَمْلِكُ مَنْفَعَتَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، بَلْ يَسْقِي بِهِ، فَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ تَرَكَهُ لِغَيْرِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ " وَجَهْلٌ بِمَثْمُونٍ "، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَشَرْطُ إبْقَاءِ الْمَبِيعِ فِي الثَّمَنْ ... رَهْنًا سِوَى الْأُصُولِ بِالْمَنْعِ اقْتَرَنْ
وَقِيلَ بِالْجَوَازِ مَهْمَا اتَّفَقَا ... فِي وَضْعِهِ عِنْدَ أَمِينٍ مُطْلَقَا
يَعْنِي أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَبْقَى الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ رَهْنًا فِي الثَّمَنِ إلَّا فِي الْأُصُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيهَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ وَقِيلَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى أَنْ يَبْقَى ذَلِكَ الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، وَأَمَّا إنْ وَضَعَاهُ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مُطْلَقًا، أَيْ فِي الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِالْبَيْتِ الثَّانِي عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ الْأُصُولِ وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ الْبَيْتَيْنِ أَنَّ اشْتِرَاطَ بَقَاءِ الْمَبِيعِ تَحْتَ يَدِ بَائِعِهِ رَهْنًا فِي الثَّمَنِ، إنْ كَانَ فِي الْأُصُولِ فَهُوَ جَائِزٌ.
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا فَقَوْلَانِ: الْمَنْعُ وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْبَائِعِ، أَوْ الْأَمِينِ، وَالْجَوَازُ عِنْدَ أَمِينٍ، وَظَاهِرُ النُّقُولِ الْآتِيَةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ مَحَلُّهُ إذَا بَقِيَ الْمَبِيعُ تَحْتَ يَدِ بَائِعِهِ، وَأَمَّا إنْ وَضَعَاهُ عِنْدَ أَمِينٍ فَلَيْسَ إلَّا الْجَوَازُ، فَلَيْسَ إذَنْ إلَّا قَوْلٌ وَاحِدٌ بِالتَّفْصِيلِ: الْجَوَازُ إنْ وُضِعَ بِيَدِ أَمِينٍ، وَالْمَنْعُ إنْ وُضِعَ عِنْدَ الْبَائِعِ (قَالَ ابْنُ حَارِثٍ) فِي أُصُولِ الْفُتْيَا وَإِذَا اشْتَرَيْتَ شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ حَبْسَهُ إلَى أَجَلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَى عَلَى أَلَّا يُقْبَضَ إلَّا إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، مِثْلُ الدَّارِ وَالْأَرْضِ يَشْتَرِطُ الْبَائِعُ سُكْنَاهَا إلَى أَجَلٍ، فَذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ.
وَإِنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ عَلَى يَدِ عَدْلٍ جَازَ ذَلِكَ وَفِي ابْنِ سَلْمُونٍ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ تَبْقَى الدَّابَّةُ بِيَدِهِ رَهْنًا فِي الثَّمَنِ إلَى أَجَلِهِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَالْبَيْعُ عَلَى ذَلِكَ مَفْسُوخٌ، وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَيَوَانِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُرُوضِ.
(قَالَ ابْنُ رُشْدٍ) : وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي الْأُصُولِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُبَاعَ عَلَى أَنْ تُقْبَضَ إلَى أَجَلٍ، فَإِنْ وُضِعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا يَجُوزُ ارْتِهَانُهَا عِنْدَ بَائِعِهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا اهـ. عَنْ نَقْلِ الشَّارِحِ، وَانْظُرْ
(1/288)

مَا ذُكِرَ هُنَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ مِنْ جَوَازِ مِثْلِ هَذَا
وَجَائِزٌ فِي الدَّارِ أَنْ يُسْتَثْنَى ... سُكْنَى بِهَا كَسَنَةٍ أَوْ أَدْنَى
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِبَائِعِ الدَّارِ أَنْ يَسْتَثْنِيَ سُكْنَاهَا سَنَةً فَمَا دُونَهَا (قَالَ فِي الْمُقَرَّبِ) : قَالَ: مَالِكٌ وَمَنْ اشْتَرَى دَارًا عَلَى أَنَّ لِلْبَائِعِ سُكْنَاهَا الْأَشْهُرَ وَالسَّنَةَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكُرِهَ مَا تَبَاعَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ الْعَامِ لِمَا يُخَافُ مِنْ تَغَيُّرِهَا فَيَدْخُلُ الْغَرَرُ عَلَى الْمُبْتَاعِ إذْ لَا يَدْرِي حَالَهَا عِنْدَ رُجُوعِهَا إلَيْهِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ اهـ. وَفِي مُخْتَصَرِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ عَاطِفًا عَلَى الْحَائِزَاتِ وَبَيْعِ دَارٍ لِتُقْبَضَ بَعْدَ عَامٍ، وَفِي الْمَوَّاقِ وَفِي تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ بِسَنَةٍ، أَوْ لَا سِتَّةُ أَقْوَالٍ. (فَرْعٌ) يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ السَّنَةِ فَمَا دُون، وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عَنْ سَمَاعِ يَحْيَى بْنِ الْقَاسِمِ، أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ مُعَيَّنٌ لَا تَحْمِلُهُ الذِّمَّةُ، فَلَيْسَ فِيهِ تَعْمِيرُ الذِّمَّتَيْنِ
وَمُشْتَرِي الْأَصْلِ شِرَاؤُهُ الثَّمَرَ ... قَبْلَ الصَّلَاحِ جَائِزٌ فِيمَا اشْتَهَرَ
وَالزَّرْعُ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الشَّجَرِ ... وَلَا رُجُوعَ إنْ تُصَبْ لِلْمُشْتَرِي
تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
وَآبِرٌ مِنْ زَرْعٍ أَوْ مِنْ شَجَرِ
لِبَائِعٍ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَشْجَارًا فِيهَا ثِمَارٌ مَأْبُورَةٌ، أَوْ اشْتَرَى أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ قَدْ نَبَتَ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ وَالزَّرْعَ لِلْبَائِعِ، وَذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِمُشْتَرِي الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ أَنْ يَشْتَرِيَ تِلْكَ الثِّمَارَ، وَذَلِكَ الزَّرْعَ وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُمَا، سَوَاءٌ اشْتَرَى الشَّجَرَ أَوْ الثَّمَرَ، أَوْ الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي صَفْقَتَيْنِ الْأَشْجَارَ، ثُمَّ الثِّمَارَ وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ ظَاهِرُ قَصْدِ النَّاظِمِ، وَالْأُولَى أَوْلَى بِالْجَوَازِ (قَالَ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ) : لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ فِي صَفْقَةٍ، ثُمَّ يَشْتَرِيَ الزَّرْعَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى (وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ) ، وَحُكْمُ شِرَاءِ الزَّرْعِ بَعْدَ الْأَرْضِ حُكْمُ شِرَاءِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ الْأَصْلِ تَدْخُلُ فِيهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ ذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ اهـ. مِنْ الشَّارِحِ وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالْجَوَازُ إذَا كَانَ الشِّرَاءُ بِحَدَثَانِ الْعَقْدِ (وَفِي التَّوْضِيحِ) ، وَحَدُّ الْقُرْبِ فِي ذَلِكَ عِشْرُونَ يَوْمًا ا. هـ. وَاقْتَصَرَ النَّاظِمُ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا بَعُدَ الشِّرَاءُ مِنْ الْعَقْدِ أَوْ قَرُبَ؛ لِأَنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: فِيمَا اشْتَهَرَ أَنَّ ثَمَّ مُقَابِلًا لِلْمَشْهُورِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَلَا رُجُوعَ إنْ تُصَبْ لِلْمُشْتَرِي
لِقَوْلِ الْمُتَيْطِيِّ فَإِنْ أُجِيحَتْ الثَّمَرَةُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ، أَوْ الْمُلْحَقَةِ بِذَلِكَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا قِيَامَ لِلْمُبْتَاعِ بِهَا كَانَتْ الْجَائِحَةُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِهَا، أَوْ أَتَتْ عَلَى جَمِيعِهَا اهـ. وَتُصَبْ مَعْنَاهُ تُجَاحُ وَلِلْمُشْتَرِي: خَبَرُ لَا وَنَائِبُ تُصَبْ يَعُودُ عَلَى الثَّمَرَةِ، وَفِي مَعْنَاهَا الزَّرْعُ وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلَالَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ
وَبَيْعُ مِلْكٍ غَابَ جَازَ بِالصِّفَهْ ... أَوْ رُؤْيَةٍ تَقَدَّمَتْ أَوْ مَعْرِفَهْ
وَجَازَ شَرْطُ النَّقْدِ فِي الْمَشْهُورِ ... وَمُشْتَرٍ يَضْمَنُ لِلْجُمْهُورِ
(1/289)

الْمُلْكُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا الشَّيْءُ الْمَمْلُوكُ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ بِالضَّمِّ إلَّا فِي مَوَاضِعِ الْكَثْرَةِ وَسَعَةِ السُّلْطَانِ، يُقَال: لِفُلَانٍ مُلْكٌ عَظِيمٌ، أَيْ مَمْلُوكٌ كَثِيرٌ قَالَهُ أَبُو الْبَقَاءِ فِي الْمُعَرَّبِ، وَيُقْرَأُ فِي الْبَيْتِ بِالْكَسْرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَصْلُ كَالدَّارِ وَغَيْرِهَا.
وَغَيْبَةُ الْمَبِيعِ، إمَّا أَنْ تَكُونَ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ حَاضِرٌ بِالْبَلَدِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ، وَهَذَا إمَّا أَنْ تَكُونَ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً، أَوْ قَرِيبَةً، أَوْ مُتَوَسِّطَةً فَغَائِبُ الْمَجْلِسِ حَاضِرُ الْبَلَدِ فِيهِ قَوْلَانِ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ: جَوَازُ بَيْعِهِ عَلَى الصِّفَةِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِيهَا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَدَمُ جَوَازِهِ؛ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الْمُعَايَنَةِ إلَى خَبَرٍ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَقَصَرَ بَعْضُهُمْ الْأَوَّلَ فَقَالَ: إنَّ الضَّرُورَةَ قَدْ تَدْعُو إلَى مُبَادَرَةِ الْعَقْدِ خَوْفَ أَنْ يَبْدُوَ لَلْآخَرِ شَيْءٌ وَالْغَائِبُ الْبَعِيدُ جِدًّا، كَإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ خُرَاسَانَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْقَرِيبِ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَاَلَّذِي عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ خِلَافًا لِرِوَايَةِ ابْنِ شَعْبَانَ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْمُتَوَسِّطِ اتِّفَاقًا اهـ. مِنْ شَرْحِ الْقَلْشَانِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ وَمَعْنَى الْبَيْتَيْنِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْأَصْلِ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ، أَوْ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، أَوْ مَعْرِفَةٍ، وَيَجُوزُ فِيهِ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَضَمَانُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ.
(تَنْبِيهٌ) عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ قَوْلَ النَّاظِمِ غَابَ شَامِلٌ لِلْغَائِبِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ وَلِلْغَائِبِ بِغَيْرِ الْبَلَدِ غَيْبَةً قَرِيبَةً، أَوْ مُتَوَسِّطَةً، وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِالصِّفَهْ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ إذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ الْحَاضِرَةِ، وَيُوصَفُ بِمَا تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّلَمِ الْمَقِيسِ هَذَا عَلَيْهِ قَالَهُ الْبَاجِيُّ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَصِفَهُ بَائِعُهُ، أَوْ غَيْرُهُ (الْمَوَّاقُ) عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْعَطَّارِ قِيلَ: إنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ بِصِفَةِ الْبَائِعِ غَيْرُ صَحِيحٍ إنَّمَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهِ بِصِفَةِ الْبَائِعِ رَبْعًا كَانَ، أَوْ غَيْرَهُ اهـ.
وَإِنَّمَا يُفْتَقَرُ لِلصِّفَةِ إذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَتِّ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ دُونَ تَقَدُّمِ رُؤْيَةٍ، وَلَا ذِكْرِ صِفَةٍ إذَا كَانَ عَلَى خِيَارِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَدْ تَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ إنْ كَانَ عَلَى الْبَتِّ وَاللُّزُومِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْوَصْفِ، أَوْ تَقَدُّمِ مَعْرِفَةٍ، أَوْ رُؤْيَةٍ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ تَكَلَّمَ النَّاظِمُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِيَارِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ وَصْفٌ وَلَا رُؤْيَةٌ، فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَهَكَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ اُنْظُرْ الْقَلْشَانِيَّ، وَقَدْ أَصْلَحَ بَعْضُهُمْ قَوْلَ الشَّيْخِ خَلِيلٍ وَغَائِبٌ وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ. . . إلَخْ بِقَوْلِهِ: وَغَائِبٌ عَلَى خِيَارِ رُؤْيَةٍ، وَلَوْ بِلَا وَصْفٍ وَرُؤْيَةٍ كَعَلَى اللُّزُومِ بِرُؤْيَةٍ لَا يَتَغَيَّرُ بَعْدَهَا غَالِبًا، أَوْ وَصْفٍ، وَلَوْ مِنْ بَائِعِهِ، وَلَمْ يَبْعُدْ كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ وَلَمْ تُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَلَوْ عَلَى يَوْمٍ، وَعَطْفُ الْمَعْرِفَةِ عَلَى الرُّؤْيَةِ فِي الْبَيْتِ مِنْ عَطْفِ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ.
وَكَأَنَّهُ عَنَى بِالرُّؤْيَةِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ مَثَلًا وَبِالْمَعْرِفَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا جَازَ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ الْغَائِبِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِغَلَبَةِ السَّلَامَةِ (ابْنُ الْحَاجِبِ) ، وَالنَّقْدُ
(1/290)


فِي الْغَائِبِ بِغَيْرِ شَرْطٍ جَائِزٌ، فَإِنْ شُرِطَ فِي الْعَقَارِ وَشِبْهِهِ جَازَ، وَإِنْ بَعُدَ خِلَافًا لِأَشْهَبَ (التَّوْضِيحُ) ، وَنَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ أَشَهَبَ مَنْعَ اشْتِرَاطِ النَّقْدِ مَعَ الْبُعْدِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ النَّقْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ إذَا لَمْ يَشْتَرِهَا عَلَى صِفَةِ صَاحِبِهَا، كَذَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا بِيعَ الْعَقَارُ جُزَافًا، وَأَمَّا إذَا بِيعَ مُذَارَعَةً، فَلَا يَصِحُّ النَّقْدُ فِيهِ، وَضَمَانُهُ مِنْ بَائِعِهِ اهـ. فَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ فِي اشْتِرَاطِ النَّقْدِ هُوَ لِأَشْهَبَ فِي الْبَعِيدِ، وَأَمَّا كَوْنُ ضَمَانِ الْعَقَارِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الَّذِي حَكَاهُ النَّاسُ أَنَّ مَالِكًا إنَّمَا قَالَ: أَوَّلًا الضَّمَانُ مِنْ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْعَكْسِ أَنَّهُ مِنْ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ، ثُمَّ هَلْ الْقَوْلَانِ فِي الرِّبَاعِ، أَوْ الرِّبَاعُ مِنْ الْمُشْتَرِي اتِّفَاقًا طَرِيقَانِ اهـ. (وَفِي الْمَوَّاقِ) عَنْ الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّبْعِ وَالدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالْعَقَارِ أَنَّ ضَمَانَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ، وَإِنَّ بَعُدَتْ اهـ.
وَالْأَجْنَبِيُّ جَائِزٌ مِنْهُ الشِّرَا ... مُلْتَزِمَ الْعُهْدَةِ فِيمَا يُشْتَرَى
مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا، فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا، أَوْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي بَاعَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْبَائِعُ هُوَ الْمَالِكُ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ، وَلَا إشْكَالَ، أَوْ كَانَ نَائِبًا وَوَكِيلًا عَنْ مَالِكِهِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْوَكِيلِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الشِّرَاءِ أَنَّ مُتَوَلِّيَ الْبَيْعِ نَائِبٌ عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ إمْضَاءِ الْبَيْعِ.
وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْمَالِكِ وَرَدِّهِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا رَضِيتُ أَنْ تَكُونَ عُهْدَتِي عَلَيْك يَا مُتَوَلِّيَ الْبَيْعِ لِمُلَائِكَ وَلَا أَرْضَى أَنْ تَكُونَ عَلَى الْمَنُوبِ عَنْهُ لِعُسْرِهِ وَقِلَّةِ ذَاتِ يَدِهِ وَمَحَلُّ هَذَا التَّخْيِيرِ إذَا لَمْ يَرْضَ هَذَا الْوَكِيلُ بِكَوْنِ الْعُهْدَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ الْتَزَمَ كَوْنَهَا عَلَيْهِ فَلَا حُجَّةَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ، وَهَذَا مَقْصُودُ النَّاظِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَالْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ فِي الْبَيْتِ وَكِيلُ الْمَالِكِ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ النَّائِبُ هُوَ عَنْهُ فَهُوَ بَائِعٌ وَسَمَّاهُ أَجْنَبِيًّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَالِكٍ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ، يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّيْءَ مِنْ النَّائِبِ عَنْ مَالِكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَعَنْهُ عَبَّرَ بِالْأَجْنَبِيِّ، يَعْنِي وَتَكُونُ عُهْدَةُ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقُ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْنَبِيِّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْمُشْتَرِي بِكَوْنِهِ وَكِيلًا وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ الْمَالِكُ لِلشَّيْءِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي رَدِّ الْبَيْعِ وَلَا إشْكَالَ وَفِي إمْضَائِهِ وَتَكُونُ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمَالِكِ لَا عَلَى الْأَجْنَبِيِّ.
وَمَحَلُّ هَذَا التَّخْيِيرِ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ الْوَكِيلُ الْعُهْدَةَ فَإِنْ الْتَزَمَهَا فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ وَلَا كَلَامَ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا مُرَادُ النَّاظِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " فَالْأَجْنَبِيُّ " فِي الْبَيْتِ مُبْتَدَأٌ " وَجَائِزٌ " خَبَرُهُ وَلَوْ قَالَ لَازِمٌ لَكَانَ أَبَيْنَ " وَالشِّرَا " فَاعِلٌ لِجَائِزٍ وَمِنْهُ يَتَعَلَّقُ بِالشِّرَاءِ وَضَمِيرُهُ لِلْأَجْنَبِيِّ " وَمُلْتَزِمَ " حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ بِمِنْ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) آخِرَ الْكَلَامِ عَلَى الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَإِذَا صَرَّحَ الْوَكِيلُ، أَوْ عَلِمَ فَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُوَكِّلِ مَا نَصُّهُ. فَرْعٌ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّ الْمَبِيعَ لِغَيْرِ الْمُتَوَلِّي فَخَيَّرَهُ مَالِكٌ، فِي الرَّدِّ، أَوْ التَّمَاسُكِ عَلَى أَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَى الْآمِرِ إلَّا أَنْ يَرْضَى الرَّسُولُ أَنْ يَكْتُبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَلَا حُجَّةَ لِلْمُشْتَرِي (ابْنُ الْمَوَّازِ) ، وَكَذَلِكَ إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ اهـ.
وَإِنَّمَا قَيَّدَ ابْنُ الْمَوَّازِ الْمَسْأَلَةَ بِثُبُوتِ كَوْنِ الْمَبِيعِ لِغَيْرِ الْبَائِعِ؛ لِكَوْنِهِ إذَا لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، يُتَّهَمُ الْبَائِعُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَالِكَ لِلْمَبِيعِ لَكِنْ حَصَلَ لَهُ نَدَمٌ، فَادَّعَى أَنَّ الشَّيْءَ لِغَيْرِهِ لَعَلَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَرْضَى، وَيَفْسَخُ الْبَيْعَ وَوَجَدَ الشَّارِحُ فِي مَعْنَى الْبَيْتِ وَجْهَيْنِ بِسَبَبِ احْتِمَالِ لَفْظِ الشِّرَاءِ لِمَعْنَاهُ الْمُتَبَادِرِ عُرْفًا، وَلِكَوْنِهِ بِمَعْنَى بَاعَ عَلَى حَدِّ {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] ، أَيْ بَاعُوهُ وَالْأَجْنَبِيُّ مُشْتَرٍ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ عِنْدَهُ لَا بَائِعٌ، كَمَا قَرَّرْنَا، وَالْمَعْنَى عَلَى مَا قَالَ إنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَنُوبَ عَنْ غَيْرِهِ فِي الشِّرَاءِ، وَيَلْتَزِمَ لَهُ عُهْدَةَ الْعَيْبِ وَالِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنَّهُ إنْ حَصَلَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ، وَلَمْ يَدْعَمْ ذَلِكَ بِنَقْلٍ فَتَطْلُبَ نَصَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ


كتاب الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام- بَابٌ فِي الْبُيُوعِ وَمَا شَاكَلَهَا - فصل في بيع العروض من الثياب وسائر السلع

[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ مِنْ الثِّيَابِ وَسَائِرِ السِّلَعِ]
ِ
بَيْعُ الْعُرُوضِ بِالْعُرُوضِ إنْ قُصِدْ ... تَعَاوُضٌ وَحُكْمُهُ بَعْدُ يَرِدْ
الْعَرْضُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ مَا عَدَا الْعَيْنِ وَالطَّعَامِ مِنْ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَأَخْبَرَ النَّاظِمُ فِي الْبَيْتِ
(1/291)

أَنَّ بَيْعَ الْعُرُوضِ بِالْعُرُوضِ وَيُسَمَّى فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ مُعَاوَضَةً، وَفِي حُكْمِهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي فِي الْأَبْيَاتِ بَعْدَ هَذَا تَلِيه، فَبَيْعُ الْعُرُوضِ: مُبْتَدَأٌ وَمُضَافٌ إلَيْهِ، وَبِالْعُرُوضِ: يَتَعَلَّقُ بِبَيْعٍ، وَنَائِبُ " قُصِدَ " يَعُودُ عَلَى بَيْعٍ، وَتَعَاوُضٌ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ هُوَ تَعَاوُضٌ، وَالْجُمْلَةُ جَوَابُ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ إنْ قُصِدَ، وَالشَّرْطُ وَجَوَابُهُ خَبَرُ بَيْعُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَأْتِي لِلنَّاظِمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ بَابِ الْقِسْمَةِ بَعْضُ مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ
فَإِنْ يَكُنْ مَبِيعُهَا يَدًا بِيَدْ ... فَإِنَّ ذَاكَ جَائِزٌ كَيْفَ انْعَقَدْ
وَإِنْ يَكُنْ مُؤَجَّلًا وَتَخْتَلِفْ ... أَجْنَاسُهُ فَمَا تَفَاضَلَ أُلِفْ
وَالْجِنْسُ مِنْ ذَاكَ بِجِنْسٍ لِأَمَدْ ... مُمْتَنِعٌ فِيهِ تَفَاضُلٌ فَقَدْ
إلَّا إذَا تَخْتَلِفُ الْمَنَافِعُ ... وَمَا لِبَيْعٍ قَبْلَ قَبْضٍ مَانِعُ
وَبَيْعُ كُلٍّ جَائِزٌ بِالْمَالِ ... عَلَى الْحُلُولِ أَوَّلَ الْآجَالِ
أَشَارَ بِالْأَبْيَاتِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَشَطْرِ الرَّابِعِ أَنَّ بَيْعَ الْعَرْضِ بِالْعَرْضِ يُتَصَوَّرُ فِيهِ ثَمَانِيَةُ أَوْجُهٍ.
لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُبَاعَ الْعَرْضَانِ يَدًا بِيَدٍ، أَوْ يَتَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يُبَاعَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ مُتَمَاثِلًا، أَوْ مُتَفَاضِلًا، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ إمَّا أَنْ يُبَاعَ بِجِنْسِهِ، أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَمَعْنَى التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ أَنْ يُبَاعَ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ مَثَلًا كَثَوْبَيْنِ بِفَرَسٍ، فَأَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ إلَى أَرْبَعَةٍ مِنْهَا فَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا بِيعَ الْعَرْضُ بِالْعَرْضِ يَدًا بِيَدٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ بِيعَ الْجِنْسُ بِجِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا، أَوْ مُتَفَاضِلًا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، أَوْ بِيعَ الْجِنْسُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُتَمَاثِلًا، أَيْ وَاحِدًا بِوَاحِدٍ، أَوْ مُتَفَاضِلًا، أَيْ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ مَثَلًا، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ أُخْرَيَانِ، وَإِلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: " كَيْفَ انْعَقَدْ " وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: " وَإِنْ يَكُنْ مُؤَجَّلًا " الْبَيْت إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: " يَدًا بِيَدْ "، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا تَأَخَّرَ أَحَدُ الْعَرْضَيْنِ، وَاخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، فَلَا يُمْنَعُ التَّفَاضُلُ.
وَأَحْرَى فِي الْجَوَازِ صُورَةُ التَّمَاثُلِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا مِنْ اخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ إذْ لَا مُوجِبَ لِلْمَنْعِ فِي ذَلِكَ، فَهَاتَانِ صُورَتَانِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: " يَدًا بِيَدْ " وَإِلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ: " وَتَخْتَلِفُ أَجْنَاسُهُ " بِقَوْلِهِ:
وَالْجِنْسُ مِنْ ذَاكَ بِجِنْسٍ لِأَمَدْ
الْبَيْتَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَرْضَ إذَا بِيعَ بِعَرْضٍ وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَتَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا فَإِنَّهُ يُمْنَعُ فِيهِ التَّفَاضُلُ فَقَطْ دُونَ التَّمَاثُلِ فَلَا يُمْنَعُ، وَهَاتَانِ صُورَتَانِ أَيْضًا وَبِهِمَا كَمُلَتْ الثَّمَانِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ فِي التَّفَاضُلِ أَنَّهُ إذَا عُجِّلَ الْأَقَلُّ كَانَ سَلَفًا جَرَّ نَفْعًا؛ لِأَنَّ الْمُعَجِّلَ لِلْعَرْضِ الْقَلِيلِ مُسَلِّفٌ يَأْخُذُ عَنْهُ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَإِنْ عَجَّلَ الْأَكْثَرَ كَانَ ضَمَانًا بِجُعْلٍ؛ لِأَنَّ مَنْ دَفَعَ كَثِيرًا ثُمَّ يَأْخُذُ أَقَلَّ تَرَكَ بَعْضَ مَا دَفَعَ فِي مُقَابَلَةِ بَقَاءِ ذَلِكَ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيه إلَى أَجَلٍ.
وَوَجْهُ الْجَوَازِ فِي التَّمَاثُلِ أَنَّهُ سَلَفٌ مَحْضٌ وَلَمْ يَجُرَّ نَفْعًا لِمُسَلِّفِهِ لِكَوْنِهِ أَخَذَ مِثْلَ مَا أَعْطَى قَدْرًا وَجِنْسًا، ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَا اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهُ فَقَالَ:
إلَّا إذَا تَخْتَلِفُ الْمَنَافِعُ
أَيْ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْمَنَافِعِ يُصَيِّرُ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ كَالْجِنْسَيْنِ.
وَالْجِنْسَانِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ:
وَإِنْ يَكُنْ مُؤَجَّلًا وَتَخْتَلِفْ
أَجْنَاسُهُ الْبَيْتَ وَقَدْ مَثَّلُوا لِمَا اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهُ مِنْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي بَابِ السَّلَمِ بِالْحِمَارِ الْفَأْرَةِ أَيْ السَّرِيعِ السَّيْرِ يُدْفَعُ فِي اثْنَيْنِ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَبِالْفَرَسِ الْجَوَادِ أَيْ السَّابِقِ يُدْفَعُ فِي اثْنَيْنِ مِنْ حَوَاشِي الْخَيْلِ، وَكَذَلِكَ كَبِيرٌ فِي صَغِيرٍ وَصَغِيرٌ فِي كَبِيرٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ (التَّوْضِيحُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْجِنْسَ فَيَصْدُقُ عَلَى كَبِيرٍ فِي صَغِيرٍ وَعَكْسِهِ، وَعَلَى كَبِيرَيْنِ فِي صَغِيرَيْنِ وَعَكْسِهِ، وَعَلَى كَبِيرٍ فِي صَغِيرَيْنِ وَعَكْسِهِ وَعَلَى صَغِيرٍ فِي كَبِيرَيْنِ وَعَكْسِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْوَاحِدَ وَيَكُونَ التَّعَدُّدُ مَأْخُوذًا مِنْهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَجَازَ مَعَ الْوَاحِدَةِ أَجَازَ مَعَ التَّعَدُّدِ وَالْأَصَحُّ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ اهـ. وَقَالَ قَبْلَ هَذَا وَضَابِطُ هَذَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَنْفَعَةِ يُصَيِّرُ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ جِنْسَيْنِ اهـ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَا لِبَيْعٍ قَبْلَ قَبْضٍ مَانِعُ
إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْعُرُوضِ كُلِّهَا بَيْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهَا وَلَيْسَتْ كَالطَّعَامِ الَّذِي لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَبَيْعُ كُلٍّ جَائِزٌ بِالْمَالِ
(1/292)

الْبَيْتَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الْعُرُوضِ كُلِّهَا بِالْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَذَلِكَ الَّذِي يَعْنِي بِالْمَالِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعَيْنُ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا، إذْ لَا مَحْذُورَ فِي بَيْعِ الْعَرْضِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا فِي بَيْعِهِ بِالْعَيْنِ حَالًّا، أَوْ إلَى أَجَلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ يُقَلِّبْ مَا يُفِيتُ شَكْلَهُ ... لَمْ يَضْمَنْ إلَّا حَيْثُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ
يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَخَذَ آنِيَةَ فَخَارٍ، أَوْ زُجَاجًا لِيُقَلِّبَهَا وَيَتَأَمَّلَهَا فَسَقَطَتْ مِنْ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا عَمْدٍ فَانْكَسَرَتْ فَإِنَّهُ إنْ أَذِنَ لَهُ صَاحِبُهَا فِي التَّقْلِيبِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ غَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا ضَمِنَهَا، فَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ يَدِهِ عَلَى آنِيَةٍ أُخْرَى فَانْكَسَرَتْ السُّفْلَى أَيْضًا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لَا مَحَالَةَ أَذِنَ لَهُ فِي تَقْلِيبِ الْأُولَى أَوْ لَمْ يَأْذَنْ، فَقَوْلُهُ: " يُفِيتُ " هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ مُضَارِعُ أَفَاتَ وَفَاعِلُهُ ضَمِيرُ التَّقْلِيبِ " وَشَكْلَهُ " مَفْعُولُهُ وَمَعْنَى إفَاتَتِهِ: اسْتِهْلَاكُهُ وَإِعْدَامُهُ، فَفِي سَمَاعِ سَحْنُونٍ.
وَسَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رَجُلٍ يَأْتِي إلَى الزَّجَّاجِ، أَوْ الْقَلَّالِ، أَوْ الْعَطَّارِ يَسْتَقْرِضُ مِنْهُ قَارُورَةً، أَوْ قُلَّةً، أَوْ قَدَحًا لِيَنْظُرَ إلَى ذَلِكَ فَيَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ فَيَنْكَسِرُ وَيَنْكَسِرُ مَا تَحْتَهُ مِنْ الزُّجَاجِ، أَوْ الْقِلَالِ قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ ضَمَانَ مَا نَاوَلَهُ، وَيَضْمَنُ مَا انْكَسَرَ تَحْتَهُ، قُلْت: فَإِنْ تَنَاوَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَجَعَلَ يُسَاوِمُهُ وَلَمْ يُنَاوِلْهُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ فَيَقَعُ مِنْهُ فَيَنْكَسِرُ؟ قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِمَا أَخَذَ وَلِمَا انْكَسَرَ أَسْفَلَهُ.
قَالَ الْعُتْبِيُّ رَوَاهَا عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَزَادَ فِيهَا: وَكَذَلِكَ السَّيْفُ يَتَنَاوَلُهُ فَيَهُزُّهُ فَيَنْكَسِرُ، أَوْ الدَّابَّةُ يَرْكَبُهَا لِيَسْتَخْبِرَهَا فَتَمُوتُ تَحْتَهُ، أَوْ الْفَرَسُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ كَانَ ضَامِنًا، وَإِنْ كَانَ ضَامِنًا بِإِذْنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. رَوَاهَا أَيْضًا أَصْبَغُ وَزَادَ فِيهَا: وَكَذَلِكَ قُلَلُ الْخَلِّ يَرْفَعُهَا لِيَرُوزَهَا لِيَعْرِفَ قَدْرَهَا وَمَلَاهَا فَتَنْكَسِرُ. قَالَ أَصْبَغُ هَذَا عِنْدِي فِي الْقَوَارِيرِ وَالْأَقْدَاحِ مَا لَمْ يُعَنِّفْ وَيَأْخُذْهُ بِغَيْرِ مَأْخَذِهِ مِثْلَ أَنْ يُعَلِّقَ الْقُلَّةَ الْكَبِيرَةَ بِأُذُنِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْعُنْفِ فَيَضْمَنُ بِهِ (قَالَ أَصْبَغُ) وَإِذَا رَآهُ وَعَلِمَ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اهـ.
عَلَى نَقْلِ الشَّارِحِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ رَفَعَ الْقَارُورَةَ وَصَاحِبُهَا سَاكِتٌ يُنْظَرُ لَمْ يَأْمُرْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ فَانْكَسَرَتْ فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ السُّكُوتَ عَلَى الشَّيْءِ إذْنٌ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ، أَوْ لَيْسَ إذْنًا فَيَضْمَنُ (فَرْعٌ) فَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الْقَارُورَةِ حَيْثُ أَذِنَ لَهُ فِي التَّقْلِيبِ أَنَّهُ تَعَمَّدَ طَرْحَهَا أَوْ فَرَّطَ حَتَّى سَقَطَتْ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، (قَالَ الشَّارِحُ) : وَذَلِكَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَةِ التَّدَاعِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْبَيْعُ جَائِزٌ عَلَى أَنْ يُنْتَقَدْ ... فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنْ حُدَّ الْأَمَدْ
يَعْنِي أَنَّهُ يَجُوزُ الْبَيْعُ عَلَى أَنْ يَنْتَقِدَ الْبَائِعُ الثَّمَنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْبَيْعُ إذَا جَعَلَا لِذَلِكَ أَجَلًا مَعْلُومًا لِئَلَّا يَصِيرَ الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ. (قَالَ فِي التَّهْذِيبِ:) وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَيْنٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَإِنْ سَمَّيَا الْبَلَدَ وَلَمْ يَضْرِبَا لِذَلِكَ أَجَلًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ ضَرَبَا لِذَلِكَ أَجَلًا جَازَ، سَمَّيَا الْبَلَدَ، أَوْ لَمْ يُسَمِّيَاهُ اهـ. " وَيُنْتَقَدُ " بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَنَائِبُهُ يَعُودُ عَلَى الثَّمَنِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالْبَيْعِ.
وَبَيْعُ مَا يُجْهَلُ ذَاتًا بِالرِّضَا ... بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ أَوْ الْغَالِي مَضَى
وَمَا يُبَاعُ أَنَّهُ يَاقُوتَهْ ... أَوْ أَنَّهُ زُجَاجَةٌ مَنْحُوتَهْ
وَيَظْهَرُ الْعَكْسُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا ... جَازَ بِهِ قِيَامُ مَنْ تَظَلَّمَا
يَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الشَّيْءِ الَّذِي يَجْهَلُ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ذَاتَه وَحَقِيقَتَهُ مَاضٍ لَا يُرَدُّ، سَوَاءٌ بِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، أَوْ بِثَمَنٍ غَالٍ وَلَكِنَّ هَذَا إذَا سَمَّى الْمَبِيعَ بِاسْمِهِ كَقَوْلِهِ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي هَذَا الْحَجَرَ؟ فَبَاعَهُ بِثَمَنٍ يَسِيرٍ فَظَهَرَ أَنَّهُ يَاقُوتَةٌ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ، إذْ لَوْ شَاءَ تَثَبَّتَ قَبْلَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْيَاقُوتَ يُسَمَّى حَجَرًا، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الْمُبْتَاعُ حِينَ اشْتَرَى أَنَّهُ يَاقُوتٌ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَنّ الْمُبْتَاعُ أَنَّهُ يَاقُوتٌ فَرَفَعَ فِي ثَمَنِهِ فَأَخْطَأَ ظَنُّهُ فَلَا رَدَّ لَهُ،
(1/293)


وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِالْبَيْتِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا إذَا سُمِّيَ بِغَيْرِ اسْمِهِ فَإِنَّ لِمَنْ تَظَلَّمَ الْقِيَامُ فِي ذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي هَذِهِ الزُّجَاجَةَ؟ فَبَاعَهَا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ يَاقُوتَةٌ فَلِلْبَائِعِ رَدُّ الْبَيْعِ، جَهِلَهُ الْمُبْتَاعُ، أَوْ عَلِمَهُ، كَمَا لَوْ سَمَّى يَاقُوتًا فَأَلْفَى زُجَاجًا فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّ الْبَيْعِ، وَإِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
وَمَا يُبَاعُ أَنَّهُ يَاقُوتَهْ
إلَخْ وَإِلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَشَارَ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يُرَدَّ بِغَلَطٍ إنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ. فَأَشَارَ إلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: إنْ سُمِّيَ بِاسْمِهِ. وَإِلَى الثَّانِي بِمَفْهُومِ الشَّرْطِ، وَإِنَّهُ إنْ سُمِّيَ بِغَيْرِ اسْمِهِ يُرَدُّ الْبَيْعُ (الْمَوَّاقُ) قَالَ مَالِكٌ مَنْ بَاعَ قَمِيصًا، ثُمَّ قَالَ مُشْتَرِيهِ: هُوَ خَزٌّ.
فَقَالَ الْبَائِعُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ خَزٌّ لَوْ عَلِمْتُهُ مَا بِعْتُهُ بِهَذَا الثَّمَنِ: هُوَ لِلْمُشْتَرِي لَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَاءَ تَثَبَّتَ قَبْلَ بَيْعِهِ، وَكَذَا مَنْ بَاعَ حَجَرًا بِثَمَنٍ يَسِيرٍ ثُمَّ هُوَ يَاقُوتَةٌ تَبْلُغُ مَالًا كَثِيرًا، أَيْ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرَدُّ هَذَا الْبَيْعُ. ابْنُ رُشْدٍ.
هَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا سُمِّيَ الشَّيْءُ بِاسْمٍ يَصْلُحُ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَمَّا إذَا سَمَّى أَحَدُهُمَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ اسْمِهِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعَ: " أَبِيعُكَ هَذِهِ الْيَاقُوتَةَ " فَتُوجَدُ غَيْرَ يَاقُوتَةٍ، أَوْ يَقُولُ: " أَبِيعُكَ هَذِهِ الزُّجَاجَةَ " ثُمَّ يَعْلَمُ الْبَائِعُ أَنَّهَا يَاقُوتَةٌ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي وَأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَلْزَمُ الْبَائِعَ اُنْظُرْهُ آخِرَ بُيُوعِ الْقَبَّابِ اهـ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ الْغَبْنَ فِي الْبَيْعِ إذَا كَانَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الْمَبِيعِ فَهَذَا حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِالْقِيمَةِ فَقَطْ مَعَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ الْمَبِيعِ فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي لِلنَّاظِمِ فِي فَصْلِ الْغَبْنِ حَيْثُ قَالَ:
وَمَنْ بِغَبْنٍ فِي مَبِيعٍ قَامَا
الْأَبْيَاتُ الثَّلَاثَةُ (الْمَوَّاقُ) وَدَعْوَى جَهْلِ الْبَيْعِ رَاجِعٌ لِدَعْوَى الْفَسَادِ وَجَعْلُ الْمُتَيْطِيِّ وَغَيْرِهِ ذَلِكَ مِنْ دَعْوَى الْغَبْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.


كتاب الإتقان والإحكام في شرح تحفة الحكام- بَابٌ فِي الْبُيُوعِ وَمَا شَاكَلَهَا - فصل في بيع الطعام

[فَصْلٌ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ]
ِ
الْبَيْعُ لِلطَّعَامِ بِالطَّعَامِ ... دُونَ تَنَاجُزٍ مِنْ الْحَرَامِ
وَالْبَيْعُ لِلصِّنْفِ بِصِنْفِهِ وَرَدْ ... مِثْلًا بِمِثْلٍ مُقْتَضًى يَدًا بِيَدْ
وَالْبَيْعُ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ ... مُمْتَنِعٌ مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرْضِ
وَالْجِنْسُ بِالْجِنْسِ تَفَاضُلًا مُنِعْ ... حَيْثُ اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ يَجْتَمِعْ
وَغَيْرُ مُقْتَاتٍ وَلَا مُدَّخَر ... يَجُوزُ مَعَ تَفَاضُلٍ كَالْخُضَرِ
وَفِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِالْإِطْلَاقِ ... جَازَ مَعَ الْإِنْجَازِ بِاتِّفَاقِ
تَعَرَّضَ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ لِحُكْمِ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَبَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّعَامَ عَلَى قِسْمَيْنِ رِبَوِيٌّ وَهُوَ الْمُقْتَاتُ الْمُدَّخَرُ لِلْعَيْشِ غَالِبًا وَنُسِبَ لِلرِّبَا لِدُخُولِهِ فِيهِ أَعْنِي رِبَا الْفَضْلِ الَّذِي هُوَ الزِّيَادَةُ وَرِبَا النَّسَاءِ الَّذِي هُوَ التَّأْخِيرُ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُقْتَاتًا أَنَّهُ تَقُومُ بِهِ الْبُنْيَةُ أَيْ عِنْدَهُ لَا بِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُدَّخَرًا أَيْ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِطُولِ الزَّمَانِ عَلَيْهِ إلَّا الطُّولُ الْكَثِيرُ (قَالَ ابْنُ نَاجِي) (وَلَا حَدَّ لِلِادِّخَارِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ) وَحَكَى الشَّاذِلِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ فِيهِ فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ أَنَّ حَدَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ.
وَغَيْرُ رِبَوِيٍّ كَالْفَوَاكِهِ وَالْخُضَرِ وَهُوَ مَا اخْتَلَّ فِيهِ الْقَيْدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِأَنْ كَانَ غَيْرَ مُقْتَاتٍ وَلَا مُدَّخَرٍ كَالتُّفَّاحِ، وَالْإِجَّاصِ. أَوْ مُقْتَاتًا غَيْرَ مُدَّخَرٍ كَاللِّفْتِ أَوْ مُدَّخَرًا غَيْرَ مُقْتَاتٍ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالضَّابِطُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الطَّعَامُ إذَا بِيعَ بِطَعَامٍ فَلَا يَجُوزُ إلَّا يَدًا بِيَدٍ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ تَأْخِيرٌ سَوَاءٌ بِيعَ بِجِنْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهِ رِبَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ رِبَوِيٍّ أَوْ أَحَدُهُمَا رِبَوِيٌّ دُونَ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ أَصْلًا وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
الْبَيْعُ لِلطَّعَامِ بِالطَّعَامِ ... دُونَ تَنَاجُزٍ مِنْ الْحَرَامِ
وَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ وَهُوَ كَوْنُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ الْآخَرِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا بِيعَ الْجِنْسُ بِجِنْسِهِ وَهُمَا رِبَوِيَّانِ كَالْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ فَيَحْرُمُ الْفَضْلُ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَلَا يُبَاعُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ وَعَلَى ذَلِكَ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ:
وَالْجِنْسُ بِالْجِنْسِ تَفَاضُلًا مُنِعْ ... حَيْثُ اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ يَجْتَمِعْ
(1/294)

وَإِنْ بِيعَ الْجِنْسُ الرِّبَوِيُّ بِرِبَوِيٍّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَالْقَمْحِ بِالْفُولِ جَازَ التَّفَاضُلُ فَيُبَاعُ وَسْقٌ مِنْ قَمْحٍ بِوَسْقَيْنِ مِنْ فُولٍ مَثَلًا، وَكَذَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إذَا بِيعَ الْجِنْسُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ أَحَدُهُمَا رِبَوِيًّا كَرَطْلِ دَقِيقٍ بِرَطْلَيْنِ مِنْ تُفَّاحٍ مَثَلًا، أَوْ كَانَا مَعًا غَيْرَ رِبَوِيَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَا جِنْسَيْنِ كَتُفَّاحٍ وَإِجَّاصٍ، أَوْ جِنْسًا وَاحِدًا كَتُفَّاحٍ وَتُفَّاحٍ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهُ مُطْلَقًا رِبَوِيَّيْنِ أَوْ غَيْرَ رِبَوِيَّيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا رِبَوِيٌّ دُونَ الْآخَرِ فَقَدْ نَبَّهَ عَلَى حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ
وَفِي اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِالْإِطْلَاقِ ... جَازَ مَعَ الْإِنْجَازِ بِاتِّفَاقِ
وَقَوْلُهُ مَعَ الْإِنْجَازِ زِيَادَةُ بَيَانٍ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ مَنْعُ التَّأْخِيرِ مُطْلَقًا
وَأَمَّا مَا اتَّفَقَتْ أَجْنَاسُهُ مِنْ غَيْرِ الرِّبَوِيِّ كَتُفَّاحٍ مَعَ مِثْلِهِ وَالْخُضَرِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَنَبَّهَ عَلَى حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ:
وَغَيْرُ مُقْتَاتٍ وَلَا مُدَّخَرِ ... يَجُوزُ مَعَ تَفَاضُلٍ كَالْخُضَرِ
وَقَدْ اخْتَصَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ ضَابِطَ بَيْعِ النَّقْدَيْنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبَيْعِ الطَّعَامَيْنِ بِقَوْلِهِ وَيَحْرُمُ بَيْعُ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ فِيمَا يَتَّحِدُ جِنْسُهُ مِنْ النُّقُودِ، وَمِنْ الْمَطْعُومَاتِ الرِّبَوِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ.
وَيَحْرُمُ النَّسَاءُ خَاصَّةً فِيمَا يَخْتَلِفُ جِنْسُهُ مِنْ النُّقُودِ وَفِي الْمَطْعُومَاتِ كُلِّهَا اهـ فَقَوْلُهُ " كُلِّهَا " يَعْنِي مَا عَدَا الرِّبَوِيَّ بِجِنْسِهِ فَيَحْرُمَانِ فِيهِ مَعًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا وَمِنْ الْمَطْعُومَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ:
وَالْبَيْعُ لِلصِّنْفِ بِصِنْفِهِ وَرَدْ ... مِثْلٍ بِمِثْلٍ مُقْتَضًى يَدًا بِيَدْ
فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَمَامِ التَّقْسِيمِ دُونَهُ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ كَيْفَ كَانَ الطَّعَامَانِ، وَهَذَا الْمِقْدَارُ قَدْ اُسْتُفِيدَ مِمَّا تَقَدَّمَ فَلَوْ أَسْقَطَهُ مَا ضَرَّ ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِمَا يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنْ حُكْمِ مَا اتَّفَقَتْ أَجْنَاسُهُ أَوْ اخْتَلَفَتْ وَبِيعَ مُتَفَاضِلًا أَوْ بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ أَوْ لِأَجَلٍ مِمَّا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ وَالنَّسَاءِ فَقَطْ.
أَمَّا مَا سَلِمَ مِنْهُمَا مَعًا كَهَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ، وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ
وَالْبَيْعُ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ
الْبَيْتَ فَقَدْ ذَكَرَهُ النَّاظِمُ خِلَالَ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ فَلَوْ قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ لَكَانَ أَوْلَى. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ فِيهِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا رِبَوِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ رِبَوِيٍّ عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ إلَّا إذَا بَاعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ مِثْلُهُ. كَمَنْ سَلَّفَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا فَيَجُوزُ لِرَبِّهِ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ الْمُتَسَلِّفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ طَعَامٍ ابْتَعْتَهُ بِعَيْنِهِ أَوْ مَضْمُونًا عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ مِمَّا يُدَّخَرُ أَوْ لَا يُدَّخَرُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَبِيعَهُ مِنْ بَائِعِكَ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى تَسْتَوْفِيَهُ إلَّا أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُ أَوْ تَشْتَرِكَ فِيهِ أَوْ تُوَلِّيَهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ عَدَا الْمَاءِ. (قَالَ مَالِكٌ) وَكُلُّ مَا اكْتَرَيْتَ بِهِ أَوْ صَالَحْت عَنْ دَمِ عَمْدٍ أَوْ خَالَعْت بِهِ مِنْ طَعَامٍ بِعَيْنِهِ أَوْ مَضْمُونًا عَلَى كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ.
(ابْنُ عَرَفَةَ) وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الطَّعَامَ غَيْرَ الرِّبَوِيِّ كَالرِّبَوِيِّ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَبَيْعُ الْمُشْتَرَى قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ إلَّا فِي الطَّعَامِ مُطْلَقًا بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُعَاوَضَةً فِيمَا فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ كَيْلٍ وَشِبْهِهِ بِخِلَافِ الْقَرْضِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَكَذَلِكَ الْجُزَافُ عَلَى الْأَصَحِّ فَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا جَازَ لَهُ إقْرَاضُهُ أَوْ وَفَاؤُهُ عَنْ قَرْضٍ وَمَنْ اقْتَرَضَهُ فَإِنَّ لَهُ بَيْعَهُ اهـ وَقَدْ اشْتَمَلَ كَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمُ وَكَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ هَذَا عَلَى مَسَائِلَ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رِبَوِيًّا أَوْ غَيْرَهُ وَهَذَا الَّذِي يَعْنِي ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْإِطْلَاقِ.
الثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ بِمُعَاوَضَةٍ احْتِرَازًا مِنْ الْقَرْضِ، وَالْهِبَةِ، وَالصَّدَقَةِ فَيَجُوزُ لِمَنْ اشْتَرَى طَعَامًا أَنْ يُسَلِّفَهُ لِغَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ هُوَ مِنْ الَّذِي بَاعَهُ لَهُ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ لِمُتَسَلِّفِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ إلَّا بَعْدَ قَبْضِهِ لِئَلَّا يَتَوَالَى بَيْعَانِ لَا قَبْضَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ يَقْضِيَ بِهِ طَعَامًا فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْبَائِعُ أَيْضًا. وَمَنْ تَسَلَّفَ طَعَامًا جَازَ لَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ مُسَلِّفِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ " فَمَنْ ابْتَاعَ طَعَامًا جَازَ لَهُ " إلَخْ فَقَدْ اشْتَمَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ فُرُوعٍ وَكَذَا يَجُوزُ لِمَنْ سَلَّفَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ الْمُتَسَلِّفِ وَهَذِهِ الْفُرُوعُ الْأَرْبَعَةُ يَشْمَلُهَا قَوْلُ النَّاظِمِ " مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ قَرْضِ وَشُمُولُهُ لِلْأَخِيرِ مِنْهَا أَظْهَرُ. وَانْظُرْ كَيْفَ أَخْرَجُوا الْقَرْضَ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُعَاوَضَةُ حَاصِلَةٌ فِيهِ.
(قَالَ الشَّارِحُ) وَفِي اقْتِصَارِ الشَّيْخِ عَلَى إخْرَاجِ الْقَرْضِ إيهَامُ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْقَرْضِ مِمَّا لَا عِوَضَ لَهُ فِيهِ
(1/295)

لَا يَجُوزُ وَلَوْ قَالَ إلَّا بِمِثْلِ قَرْضِ لَكَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى سِوَاهُ اهـ (تَنْبِيهٌ) وَحَيْثُ جَازَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا عُجِّلَ الثَّمَنُ لِأَنَّهُ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِتَعْجِيلِ الثَّمَنِ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي كَوْنِ طَعَامِ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي كَالْقَرْضِ أَوْ الْبَيْعِ نَقَلَ الْبَاجِيُّ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَحِكَايَةُ الْقَاضِي، اهـ.
" وَيَجُوزُ أَنْ تَأْخُذَ الْمَرْأَةُ الثَّمَنَ عَمَّا وَجَبَ لَهَا مِنْ الطَّعَامِ فِي نَفَقَتِهَا أَوْ نَفَقَةِ أَوْلَادِهَا مِنْ الْمَوَّاقِ " الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَحَلَّ الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ هُوَ فِي الطَّعَامِ الَّذِي فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الَّذِي بِيعَ عَلَى كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ، أَوْ عَدَدٍ دُونَ الْمَبِيعِ جُزَافًا فَيَجُوزُ بَيْعُهُ. قَالَ فِي التَّوْضِيحِ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَلَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي ابْنَ الْحَاجِبِ فِي الْجُزَافِ قَوْلًا بِالْمَنْعِ. اهـ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الطَّعَامِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ مَضْمُونًا فِي الذِّمَّةِ كَالسَّلَمِ، وَلَا فَرْقَ فِي الْمَنْعِ بَيْنَ بَيْعِهِ لِبَائِعِهِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ. وَأَنَّ مَنْ اشْتَرَى طَعَامًا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَقَايَلَ مَعَ بَائِعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَيْسَتْ الْإِقَالَةُ هُنَا بَيْعًا وَأَنْ يُشَارِكَ فِيهِ غَيْرَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. أَيْ يُوَلَّى بَعْضَهُ وَأَنْ يُوَلِّيَ جَمِيعَ مَا اشْتَرَى مِنْ الطَّعَامِ لِغَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَا عَدَا الْمَاءَ. وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الطَّعَامِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ مِنْ كِرَاءٍ أَوْ مِنْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ عَمْدٍ أَوْ خُلْعٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ
وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ
وَالْبَيْعُ لِلطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ
أَنَّ مَا عَدَا الطَّعَامَ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
(قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) مَا ابْتَعْتَهُ أَوْ أَسْلَمَكَ فِيهِ عَدَا الطَّعَامِ، وَالشَّرَابِ، مِنْ سَائِرِ الْعُرُوضِ عَلَى عَدَدٍ أَوْ كَيْلٍ، أَوْ وَزْنٍ فَجَائِزٌ بَيْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَبْلَ أَجَلِهِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِك بِمِثْلِ رَأْسِ مَالِكَ أَوْ أَكْثَرَ نَقْدًا أَوْ بِمَا شِئْتَ مِنْ الْأَثْمَانِ.
وَبَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَا قَدْ جُهِلَا ... مِنْ جِنْسِهِ تَزَابُنٌ لَنْ يُقْبَلَا
يَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الشَّيْءِ الْمَعْلُومِ الْقَدْرِ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ بِشَيْءٍ مَجْهُولِ الْقَدْرِ وَهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يُسَمَّى بَيْعَ مُزَابَنَةٍ وَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَيْ غَيْرُ جَائِزٍ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ. (قَالَ الشَّارِحُ) : وَالزَّبِنُ وَالزِّبَانُ هُوَ الْخَطِرُ وَالْخِطَارُ اهـ وَإِذَا كَانَ فِي بَيْعِ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ مُخَاطَرَةٌ وَهُوَ الَّذِي فِي الْبَيْتِ فَأَحْرَى وُجُودُ الْمُخَاطَرَةِ فِي بَيْعِ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُزَابَنَةِ هُوَ بَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا.» (الْمَازِرِيُّ) الْمُزَابَنَةُ عِنْدَنَا بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ أَوْ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فِيهِمَا. (ابْنُ عَرَفَةَ) يَبْطُلُ. عَكْسُهُ بَيْعُ الشَّيْءِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ حَسْبَمَا يَأْتِي وَيَكُونُ فِي الرِّبَوِيِّ وَغَيْرِهِ. اهـ.
فَمِنْ الْمُزَابَنَةِ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ كَيْلًا وَبَيْعُ زَرْعٍ قَائِمٍ أَوْ مَحْصُودٍ بِكَيْلٍ مِنْ الْبُرِّ أَوْ زَيْتُونٍ فِي شَجَرَةٍ بِكَيْلٍ مِنْ الزَّيْتُونِ وَكَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالْبُسْرِ وَالْبُسْرِ بِالتَّمْرِ، وَكَذَلِكَ رَطْبُ كُلِّ ثَمَرَةٍ بِيَابِسِهَا. (التَّوْضِيحُ) وَتَفْسِيرُهَا الْوَاقِعُ فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ فِي الرِّبَوِيِّ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ لَا يَخْتَصُّ الرِّبَوِيَّ لِأَنَّ غَيْرَ الرِّبَوِيِّ، وَإِنْ لِمَ يَدْخُلْ تَحْتَ الْمُزَابَنَةِ فَثَمَّ عُمُومَاتٌ يَدْخُلُ تَحْتَهَا كَالنَّهْيِ عَنْ الْغَرَرِ. (ابْنُ الْحَاجِبِ) فَإِنْ
(1/296)


عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ جَازَ فِيمَا لَا رِبَا فِيهِ. (التَّوْضِيحُ) لِانْتِفَاءِ الْمُزَابَنَةِ إذْ ذَاكَ إذْ الْمُزَابَنَةُ الْمُدَافَعَةُ مِنْ قَوْلِهِمْ (نَاقَةٌ زَبُونٌ) إذَا مَنَعَتْ مِنْ حِلَابِهَا وَمِنْهُ الزَّبَانِيَةُ لِدَفْعِهِمْ الْكَفَرَةَ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَدْفَعُ صَاحِبَهُ عَنْ مُرَادِهِ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ الْغَالِبُ فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ انْتَفَى هَذَا. وَعُمُومُ قَوْلِهِ جَازَ فِيمَا لَا رِبَا فِيهِ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمَطْعُومَيْنِ وَالْمَطْعُومَيْنِ غَيْرَ الرِّبَوِيَّيْنِ وَهُوَ مُقْتَضَى النَّظَرِ اهـ وَيَدْخُلُ فِي غَيْرِ الْمَطْعُومَيْنِ نَحْوُ حَرِيرٍ، وَكَتَّانٍ بِكَتَّانٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَطْعُومَيْنِ غَيْرِ الرِّبَوِيَّيْنِ الْفَوَاكِهُ، وَالْخُضَرُ يُبَاعُ الْجِنْسُ مِنْهُمَا بِجِنْسِهِ.
(تَنْبِيهٌ) بَقِيَ عَلَى النَّاظِمِ مِنْ الْمُزَابَنَةِ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ أَحْرَى فِي الْمَنْعِ بِمَا ذَكَرَ، وَاسْتَثْنَى مَا إذَا كَثُرَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ كَثْرَةً بَيِّنَةً فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَنَحْوِهِمَا. أَمَّا مَا يَمْتَنِعُ فِيهِ التَّفَاضُلُ كَالطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ يُبَاعُ بِجِنْسِهِ فَيُمْتَنَعُ وَإِنْ تَبَيَّنَ الْفَضْلُ لِأَنَّهُ وَإِنْ ذَهَبَتْ الْمُزَابَنَةُ بِالْكَثْرَةِ فَقَدْ خَلَفَهَا رِبَا الْفَضْلِ وَكَذَا سَلَمُ الشَّيْءِ فِيمَا يُخْرَجُ مِنْهُ كَسَلَمِ سَيْفٍ فِي حَدِيدٍ وَغَزْلٍ فِي كَتَّانٍ فَإِنَّهُ مِنْ الْمُزَابَنَةِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ وَلَوْ زَادَ بَعْدَ هَذَا الْبَيْتِ فَقَالَ:
كَذَاك مَجْهُولٌ بِمَجْهُولٍ عَدَا ... إنْ كَثُرَ الْفَضْلُ وَلَا مَنْعٌ بَدَا
وَسَلَمُ الشَّيْءِ بِشَيْءٍ يُخْرَجُ ... مِنْهُ تَزَابُنٌ وَذَاكَ الْمَنْهَجُ
وَبَاءُ بِشَيْءٍ " ظَرْفِيَّةٌ " وَالْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَذَاكَ الْمَنْهَجُ إلَى الْمَنْعِ الْمُتَقَدِّمِ فِي قَوْلِ النَّاظِمِ فِي الْبَيْتِ " لَنْ يُقْبَلَا " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.