السبت، 26 سبتمبر 2015

مواعظ القلوب : الموعظة السادسة " الموت القيامة الصغرى

الموعظة السادسة

الموت القيامة الصغرى

الحمد لله الذي خلق الجنة والنار والظلمات والنور والظِّل والحرور والأيام والشهور والساعات والدهور و يعلم ما في الصدور وما في القبور والصلاة والسلام على البشير النذير السراج المنير وعلى آله وأصحابه إلى يوم يبعثر ما في القبور. أما بعد
فقد قال الله جل وعلا [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ] {آل عمران:185} الموت هادم اللذات ومفرّق الجماعات وقاطع الأمنيات وميتم البنين والبنات الواعظ الصامت يأخذ كل أحدٍ بدون استئذان يأخذ الغني والفقير والملك والحقير والأمير والصغير والسقيم والكبير...!!
أين الذين كانت لهم الأرض فرحاً ومرحاً؟
أين الذين كانت لهم الأرض هيبة وعزاً ؟
أين الأصدقاء والأحبة؟
أين الأقارب والأخوة؟
أفناهم الله مفني الأمم وأبادهم مبيد الرمم وأخرجهم من سعة القصور إلى ضيق القبور تحت الجنادل والصخور فأصبحوا لا تُرى إلا منازلهم لم تنفعهم أموالهم ولا أزواجهم ولا أبناؤهم الذي ينفعهم أعمالهم وأقوالهم الصالحة.
أخي الحبيب أنت في رحلة غريب تخيل نفسك طريحاً بين أهلك وقد وقعت الحسرة وجفت العبرة وثقل منك اللسان واشتدت بك الأحزان وعلا صُراخ الأهل والأخوان ونادوا الأطباء بالداوء فزادهم الدواء بلاء قال الله تعالى: [فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ(83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ(84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ][الواقعة: 83-85] تلك اللحظات تنظر آخر النظرات إلى الأبناء والبنات والإخوان والأخوات ويسبقها الآهات والزفرات فتكون شدة السكرات والحسرات فتخرج الروح وتبقى السيئات والحسنات.
رحماك يا الله تخيل بأنك تُقلَّب على المُغتسَل بين يدي المُغسِّل ثم تُلبس الكفن وتنتقل إلى دار العفن.
قال التيمي رحمه الله: (شيئان قطعا لذة الدنيا ذكر الموت وذكر الوقوف بين يدي الله عز وجل). وقال الدقاق رحمه الله: (من أكثر من ذكر الموت أكرمه الله بثلاث بتعجيل التوبة وقناعة في القلب ونشاط في العبادة ومن نسي الموت عاقبه الله بثلاث تسويف التوبة وترك الرضا بالقليل وتكاسل في العبادة). وقال الحسن البصري رحمه الله: (إن هذا الموت أفسد على أهل النعيم نعيمهم فالتمسوا عيشاً لا موت فيه).
يا من بدنياه اشتـغل        وغــره طــول الأمـ‍‍ل
المــوت يأتـي بغـتةً         والقبر صندوق العمـل
القلوب تعلقت بحطام الدنيا الفانية ونسيت الموت وقسا القلب من كثرة الذنوب والمعاصي فأنت يا عبدالله موقوف وعن كل شيء مسؤول يقول جل وعلا: [وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ] {الصَّفات:24}.
فلو إنا إذا متنا تركنـا        لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا مـتنا بعـثنا         ونُسـأل عـن كـل شــيء
يقول جل وعلا: [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] {ق:18}. ويقول جل وعلا: [وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ] [الانفطار: 10-11] من يجادل عنك الموت وسكرته والقبر وضمته قال تعالى: [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ] {الأعراف:34}.
فيا جامع الدنيا لغير بلاغةٍ       ستتركها فانظر ما أنت جامعُ
عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارق، وأعمل ما شئت فإنك مجازٍ به والجزاء من جنس العمل.
يا زارع الخـير تحصــده بعـده ثمــراً
يا نفس كُفي عن العصيان واكتسبي



يا زارع الشر موقوف على الوهنِ
فعــلاً جمــيلاً لعـل الله يرحمـني

زر القبور إذا ضاقت الصدور، وقف وقفة تأمل ومحاسبة، فإن من في القبور كانوا يمشون على الأرض، واليوم هم في بطن الأرض وبعدها في يوم العرض ويكشف المستور وتقول نفسي نفسي قال النبي ﷺ: «إني نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها ترق القلب وتدمع العين ولا تقولوا هجراً».([1]) وقال رسول الله ﷺ: «أكثروا من ذكر هادم اللذات».([2]) قال أهل العلم: (هادم اللذات هو الموت).
أنت يا عبدالله لا تدري هل ستكون أنت غداً من عِداد الأحياء أو الأموات، ثم تترك الدنيا إلى ظلمة القبر وضيق اللحد بعد ما كُنت في سعة الدور والقصور فسعادة الدنيا كلها في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.
ولست أرى السعادة جمع مالٍ       ولكـن التقي هـو السعـيدُ
وتقـوى الله خـير زادٍ وذخــرٍ       وعـند الله للأتقــى المزيـدُ
أخي في الله ارجع إلى قلبك فتجد أن حلاوة الدنيا لا تكون إلا بحلاوة الإيمان وطاعة الرحمن عز وجل.
يا نفس توبى فإن الموت قد حان
أما ترينا المنايا كيف تلقطنا لقطاً
في كل يوم لنا ميت نشيعه
يا نفس مالي وللأموال أتركها


واعصِ الهوى فالهوى مازال فتانا
وتلحق آخرانا بأولانا
ونرى بمصرعه آثار موتانا
خلفي وأخرج من الدنيا عريانا

نسأل الله العلي القدير لنا ولكم حسن الخاتمة وأن يعفو عنَّا ويتقبَّل منَّا ويرحمنا برحمته وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
õ  õ  õ



(1) رواه الترمذي وصححه الألباني.
(2) رواه البخاري.

مواعظ القلوب : الموعظة السابعة " أهوال يوم القيامة الكبرى

الموعظة السابعة

أهوال يوم القيامة الكبرى

الحمد لله الحي القيوم الدائم الباقي العلي العظيم والصلاة والسلام على رسولنا الأمين المبعوث رحمةً للعالمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم    أما بعد
فيقول تبارك وتعالى: [يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا للهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ] [إبراهيم: 48] ويقول تعالى: [يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا(9) وَتَسِيرُ الجِبَالُ سَيْرًا] [الطور: 9-10] ويقول تعالى: [يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ(35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ(36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ] [عبس: 34-37] أتدري ما هو هذا اليوم ؟
إنه يوم القيامة، يوم القارعة، يوم الحاقة، يوم الطامة، يوم الصاخة، يوم الغاشية، يوم الواقعة، يوم الفصل، يوم البعث، يوم الآزفة، يوم الحساب، يوم الوعيد، يوم الحسرة والندامة، يا له من يوم جمع الأسماء والمعاني ما تليّن به القلوب، وتقشعر منه الجلود، وتشيب منه الرؤوس من شدة ما يشاهدون ويسمعون.
لقد قضى جل وعلا بأن هذه الدنيا فانية زائلة منتهية لا محالة ولا يبقى إلا وجهه تبارك وتعالى: [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ] [الرحمن: 26-27] وقال تعالى: [وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ] [الزمر: 68] وقال النبي ﷺ يقول الله تبارك وتعالى: «أنا الملك أين ملوك الأرض».([1])
ذلك اليوم يُذهل العقول ويفزّع القلوب، والسماء تضطرب والأرض تشقق والجبال تندك والقمر ينخسف والشمس تتكوّر والكواكب تنتثر والبحار تُسجّر وتشتعل ناراً.
ذلك اليوم يشهده الأولون والآخرون ويحشر فيه الملوك وغيرهم حُفاة عُراة غُرلاً بُهماً، لا ينفعهم مالهم ولا جاههم ولا سلطانهم وتستوي الخلائق وليس بينهم وضيع الكل عبادٌ لله قال تعالى: [إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا] {مريم:93}  . فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حُفاة عُراة غُرلاً كما قال تعالى: [كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ] {الأنبياء:104} فقالت عائشة يا رسول الله النساء والرجال فقال رسول الله ﷺ: «يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم بعضاً».([2]) وتكون أرض الشام هي أرض المحشر ووصفها النبي ﷺ فقال: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علمٌ لأحد».([3]) فأرض المحشر لا حجر فيها ولا شجر وتدنو عليهم الشمس قدر ميل قال النبي ﷺ: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل».([4]) قال التابعي سُليم بن عامر رحمه الله: (فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم ميل الذي تكتحل به العين). وقال رسول الله ﷺ: «فيكون الناس على قدر أعمالهم من العرق فمنهم ما يكون إلى كعبيه ومنهم ما يكون إلى ركبتيه ومنهم ما يكون إلى حقويه ومنهم ما يكون العرق يلجمه إلجاما».([5]) وفي رواية بأن النبي ﷺ (أشار بيده إلى فيه)([6]) أي: (أشار بيده إلى فمه).
وفي ذلك اليوم أناس نسأل الله العلي القدير أن نكون منهم في ظل عرش الرحمن تبارك وتعالى وهم من أطاعوه في الدنيا في السرِّ وفي العلن الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله فعن أبي هريرة t قال: قال النبي ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة ربه ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل تصدق بيمينه فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه».([7])
في يوم القيامة يبدأ الحساب والجزاء بالعدل بلا ظلم يقول جل وعلا: [وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ] {الزُّمر:69}. فلا تخفى صغيرةٌ ولا كبيرةٌ إلا أحصاها الله عز وجل ويحاسب عليها سُئل علي بن أبي طالب t كيف يحاسب الله العباد يوم القيامة فقال: (كما يرزقهم في يوم). وقال الحسن البصري رحمه الله: (الحساب أسرع من لمح البصر). وقال النبي ﷺ: «أن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر». ([8])
وفي ذلك اليوم يُسأل الإنسان على أمور مهمة كانت له في الدنيا فعن أبي برزة t قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله فيما اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه فيما عمله به».([9])
أخي في الله اعلم بأن الدنيا فانية زائلة منتهية لا محالة وتبدأ الرحلة الحقيقية إلى حياة الآخرة من الموت ثم القبر ثم البعث ثم الحشر ثم العرض والحساب ثم الميزان ثم صحائف الأعمال ثم الصراط ثم الحوض ثم القنطرة ثم الجنة أو النار ثم الشفاعة ولكن من أطاع الله ورسوله ﷺ فإنه يفوز بجنات النعيم. قال الله تعالى: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِالله الغَرُورُ ] [لقمان: 33].
نسأل الله العلي القدير أن يأمِّنا يوم الفزع الأكبر ويجعلنا من الآمنين ويظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله وأن يرزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بالله من النار وما قرب إليها من قول وعمل وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
@   @   @



(1) رواه البخاري ومسلم في كتاب الرقاق باب الحشر.
(1) رواه البخاري في كتاب الرقاق ورواه مسلم في كتاب الجنة.
(2) رواه البخاري ومسلم في كتاب الرقاق باب الحشر.
(3) رواه البخاري ومسلم في كتاب الرقاق باب الحشر.
(4) رواه البخاري ومسلم.
(5) رواه مسلم.
(6) رواه البخاري في كتاب الرقاق باب البكاء من خشية الله ومسلم في كتاب الزكاة.
(1) رواه الترمذي في كتاب الصلاة وأبو داوود في كتاب الصلاة والطبراني في الأوسط والنسائي وحسنه الترمذي وصححه الألباني.
(2) رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة وقال: (حسن صحيح) وصححه الألباني.

مواعظ القلوب - الموعظة الثامنة " الجنة دار السعداء

الموعظة الثامنة
الجنة دار السعداء
الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نُزلا ونوَّع لهم الأعمال الصالحة ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سُبلا وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله الذي شمَّر للحاق بالرفيق الأعلى والوصول إلى جنات المأوى ولم يتخذ سواها شُغلا صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما تتابع القطر والندى وسلم تسليماً كثيراً   أما بعد
فيقول تعالى: [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] [آل عمران: 133]. ويقول تعالى: [سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ] [الحديد: 21]. وعن أبي هريرة t عن النبي ﷺ أنه قال: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر قال تعالى: [فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] {السجدة:17}».([1])
إذاً المسارعة والمسابقة إلى دار النعيم والكرامة ومفتاح هذه الدار قول لا إله إلا الله والمفتاح له أسنان لفتح الباب وأسنانه شرائع الإسلام والعمل بالأوامر واجتناب النواهي.
فأبواب الجنة ثمانية فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان وقد يُدعى الإنسان من جميع الأبواب الثمانية وما بين مصراعي الباب مابين مكة وهجر ويأتي عليه يومٌ وهو كضيض.
فالجنة فيها درجات وأعلى الدرجات الفردوس الأعلى سقفها عرش الرحمن هي دار المتقين لبنة من فضة ولبنة من ذهب ومُلاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران وفيها غُرف يُرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها للمؤمن فيها خيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً في السماء فيها شجرة يسير الراكب بجواده في ظلها مائة عام لا يقطعها قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: [وَظِلٍّ مَمْدُودٍ] {الواقعة:30}  «بأنها شجرة في الجنة يسير في ظلها الراكب مائة عام».([2])  وغراس الأشجار في الجنة تكون في الدنيا بشيء يسير بقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وفيها من الفواكه ما تشتهى النفس وما لدنيا في الجنة إلا الأسماء وأغصانها تذلل إذا قعد أو اضطجع وينحني الغصن ويأكل من ثمارها وإذا قطع ثمرة خرجت غيرها قال الله تعالى: [كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا] {البقرة:25}. وثمارها بألوانها وأشكالها وصفاتها مختلفة في الطعم قال الله تعالى: [وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا] {مريم:62}  فأهل الجنة آمنون من الموت والنوم والهرم والمرض والخوف آمنون من كل ما يُنغِّص وينقص نعيمهم قال تعالى: [خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ] {هود:108} وفيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وفيها ولدان مخلدون بجمالهم وانتشارهم في خدمة المؤمنين كأنهم اللؤلؤ المنثور قال تعالى: [يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ] {الواقعة:17} ويطوف الولدان بكأس أبيض فيه لذة لشاربين قال تعالى: [وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ(15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا][الإنسان: 15-16]. وفيها الحور العين فيُعطى المؤمن قوة مائة رجُل وطوله وعرضه ستون ذراعاً فجماله جمال يوسف عليه السلام وخُلقه خُلق محمد ﷺ وطوله طول آدم عليه السلام وعُمره عُمر عيسى عليه السلام والحور العين جمالهنَّ وحُسنهنَّ لا يوصف، تجامعها تعود بكراً عُرباً متحببةً لزوجها، متساويةً في أعمارهن نصيفها من على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها ويُرى مُخ ساقها من سبعين حُله ولعابها لو قطرةٌ منه تسقط في الأبحر المالحة لكانت عذبة زلالاً فكيف بالمؤمن إذا دخل الجنة تقابله الحور العين ويضع فمه في فمها ويشرب من ريقها مباشرة وغيرها من صفات الحور العين التي اشتاق إليه العُبَّاد والصالحون والمجاهدون والأولياء وعلى هذا ينادي منادٍ في الجنة يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت وأن لكم فيها أن تصحوا ولا تسقموا وأن تحيوا فيها ولا تموتوا وأن تشبُّوا فيها ولا تهرموا أبداً وعلى هذا رضي الله عنهم ورضوا عنه وهم على موعد في يوم الجمعة عندما تُعد لهم النجائب فيُحملون عليها إلى مكان الموعد في الوادي الأفيح لمقابلة العزيز الحميد جل وعلا وهذا هو أنعم النعيم والزيادة وقرة العيون قال تعالى: [وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ] [القيامة: 22-23].
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما عمل أهل الجنة؟ فقال: (الحمد لله رب العالمين عمل أهل الجنة الإيمان والتقوى وعمل أهل النار الكفر والفسوق والعصيان فأعمال أهل الجنة الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره والشهادتان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ومن أعمال أهل الجنة العدل في جميع الأمور وعلى جميع الخلق حتى مع الكفّار وأمثال هذه الأعمال) انتهى كلامه رحمه الله.
نسأل الله العلي القدير أن يرزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل و نعوذ بالله من النار وما قرب إليها من قول وعمل وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
@   @   @



(1) رواه البخاري في كتاب التفسير باب قوله [فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ] ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب صفة الجنة.
(1) رواه البخاري في كتاب التفسير باب قوله: [وَظِلٍّ مَمْدُودٍ] ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب بأن في الجنة شجرة يسير في ظلها الراكب مائة عام.

مواعظ القلوب - الموعظة التاسعة : النار دار الأشقياء

الموعظة التاسعة

النار دار الأشقياء

الحمد لله رب العالمين أمر بتقواه وأخبر أن من اتقاه وقاه وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا رب لنا سواه ولا نعبد إلا إياه وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله أكرم الخلق على الله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه وسلَّم تسليماً كثيراً  أما بعد
فيقول سبحانه وتعالى: [وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(131) وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] [آل عمران: 131-132]. ويقول تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] [التحريم: 6] .
اتقوا النار يا عباد الله وامتثلوا لأوامر الله ورسوله ﷺ ففيهما النجاة منها فهي دار البوار والبؤس والشقاء والعذاب الشديد مصير من لا يؤمن بالله واليوم الآخر سُكَّانها شرار الخلق من الشياطين واتباعهم من الإنس والجن قال تعالى مخاطباً إبليس: [فَالحَقُّ وَالحَقَّ أَقُولُ(84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ] [ص: 84-85].
النار دار رؤوس الكفر والنفاق دار فرعون وهامان وقارون وأبي جهل وأُبي بن خلف وغيرهم كثير من الطغاة والفجَّار مكانها بعيدٌ في أسفل السافلين لها دركات أسفلها دار المنافقين فيها السعير ولظى والحطمة والهاوية وغيرها طعامها الزقوم وأشجارها كأنها رؤوس الشياطين مُرة الطعم والذوق كريهة المنظر قال تعالى: [لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ] {الغاشية:7}. وقال النبي ﷺ: «اتقوا الله حق تقاته فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم»([1]) هذا طعامهم إذا جاعوا وإذا أكلوا ازدادوا عطشاً وبحثوا عن الماء قال تعالى: [وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا] {الكهف:29}. وإذا أراد أن يشرب من هذا الماء سقطت فروة شعره ولحمة وجهه وإذا شرب أهل النار من هذا الماء قُطِّعت أمعاؤهم ومُزِّقت جلودهم وانسلَ ما في بطونهم ويخرج من أدبارهم وهو مضطرٌ على فعل ذلك قال تعالى: [يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ] {إبراهيم:17}. وأما لباسهم يشتد عليهم الحرارة والعذاب قال الله تعالى: [سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ] {إبراهيم:50}، قال تعالى: [يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ(19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ(20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ(21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ] [الحج: 19-22].
النار حرها شديد وقعرها بعيد، نارها تفوق نار الدنيا بتسعة وستين جزءا لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى سوداء مظلمة عذابها شديد يتمنى أهلها الخلاص والراحة من العذاب ولو لحظة فينادون خزنة جهنم: [ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ العَذَابِ] {غافر:49}  فترد عليهم الملائكة: [أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ] {غافر:50}  فلا يستجاب لهم لأنهم لم يستجيبوا للرسل حينما دعوهم إلى الله فكان الجزاء من جنس العمل فيقول أهل النار لله عز وجل: [قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ(106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ] [المؤمنون: 106-107] فيقول الله جل وعلا لهم: [اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ] {المؤمنون:108} وعلى هذا يزدادون بؤساً وحسرةً وندامة قال تعالى: [وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ] {البقرة:167}  وعلى هذا فإن أشد العذاب لهم بأنهم لا يرون الله جل وعلا: [كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ(15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الجَحِيمِ(16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ] [المطففين: 15-17] إذا رأت أهلها: [مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا] [الفرقان: 12]. أهل النار تتقطع قلوبهم وهم فيها:[إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ(7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ(8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ][الملك: 7-9].
سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما عمل أهل النار؟ (الحمد لله رب العالمين عمل أهل الجنة الإيمان والتقوى وعمل أهل النار الكفر والفسوق والعصيان فأعمال أهل النار الإشراك بالله والتكذيب بالرسل والكفر والحسد والكذب والخيانة والظلم والفواحش والغدر وقطيعة الرحم والجبن عن الجهاد والبخل واختلاف السرِّ والعلانية واليأس من روح الله والأمن من مكر الله والجزع عند المصائب والفخر والبطر عند النعم وترك الفرائض واعتداء حدوده وانتهاك حرماته وخوف المخلوق دون الخالق والعمل رياء وسمعة ومخالفة الكتاب والسُّنة وطاعة المخلوق في معصية الخالق والتعصب الباطل والاستهزاء بآيات الله وجحد الحق وكتم الحق لما يجب إظهاره من علم وشهادة ومن عمل أهل النار السِّحر وعقوق الوالدين وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم والربا والفرار من الزحف وقذف المحصنات الغافلات) انتهى كلامه رحمه الله.
نسأل الله العلي القدير الجنة وما قرب إليها من قول وعمل و نعوذ بالله من النار وما قرب إليها من قول وعمل وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
@   @   @



(1) رواه الترمذي والنسائي وصححه الألباني.

مواعظ القلوب - الموعظة العاشرة : إنه الله جل جلاله

الموعظة العاشرة

إنه الله جل جلاله
سبحان العزيز الحكيـم سبحان الرحمن الرحيم سبحـان العلي العليـم سبحان الغفور الحليم سبحـان القوي القهَّار سبحان الملك الجبَّار والصلاة والسلام على النبي المصطفى المختار وعلى آله وأصحابه الأبرار ما تعاقب ليلٌ ونهار  أما بعد
فعن أبي هريرة t قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة وهو وترٌ يحب الوتر».([1]) وقال ابن القيم رحمه الله: (وهو سبحانه تعالى يدعوا عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها ويؤخذوا بحظهم من عبوديتها وهو سبحانه يحب موجب أسمائه وصفاته فهو عليم يحب كل عليم، جواد يحب كل جواد، وترٌ يحب الوتر، جميل يحب الجمال، عفوٌ يحب العفو، برٌ يحب الأبرار، شكورٌ يحب الشاكرين، صبورٌ يحب الصابرين، حليمٌ يحب أهل الحلم).
إنه الله جل جلاله
إذا حلَّ الهمَّ وخيَّم الغمَّ واشتد الكرب وعظم الخطب وضاقت السُّبل وبارت الحيل نادى المنادي فقال:
يا الله يا الله يا الله...
فلا إله إلا الله العظيم الحليم...
لا إله إلا الله رب العرش العظيم
لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم...
فيزول الهمَّ ويتنفس الكرب وتُذلل المصاعب...
إنه الله جل جلاله
الملاذ في الشدة والأنيس في الوحشة، والنصير في القلة، يتجه إليه المريض فيدعوه لشفائه، ويتجه إليه المكروب ويسأله الصبر بالمكتوب، يتجه إليه المظلوم داعياً بنصرته، خزائنه لا تنفد، كريم لا يبخل، يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات ويبدِّلها إلى حسنات، ما ردَّ ولا خيَّب من دعاه فهو قريب مجيب الدعاء.
إنه الله جل جلاله
سلوة الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأ الخائفين، ويحب التوابين والمتطهرين، هو الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، خلق فسوى وقدَّر فهدى وأخرج المرعى فجعله غُثاءً أحوى، السماء بناها والأرض دحاها والجبال أرساها أخرج من الأرض ماءها ومرعاها.
إنه الله جل جلاله
التواب الرحيم ذو الفضل العظيم الواسع العليم العزيز الحكيم ابتلى إبراهيم، وسمع نداء يونس وهو في بطن الحوت، واستجاب لزكريا فأعطاه يحيى، أزال الكرب عن أيوب، وألآن الحديد لداود، وسخر الريح لسليمان، وفلق البحر لموسى، ورفع عيسى، وشق القمر لمحمد عليهم جميعاً صلوات من ربي وسلام.
إنه الله جل جلاله
نجَّى هوداً وأهلك قومه، نجَّى صالحاً من الظالمين فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وفدَّى إسماعيل بذبح عظيم، ونصر موسى وأغرق فرعون وجنوده ونجَّاه ببدنه ليكون لمن خلفه آية، وخسف بقارون وبداره الأرض وجعل عيسى وأمه آية للعالمين.
إنه الله جل جلاله
أضحك وأبكى وأمات وأحيا وأسعد وأشقى وأوجد وأبلى ورفع وخفض وأعز وأذل وأعطى ومنع بحكمته وقدرته وفضله وعدله.
إنه الله جل جلاله
قال الله تعالى: [هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ(23) هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] [الحشر: 22-24].
أخي في الله
احسب حساباتك من هذه الوهلة ما دمت في زمن المـُهلة قبل يوم النُقلة فاليوم أنت على الأرض وبعدها تحت الأرض ثم أنت في يوم العرض يا من قصّرت في جنب الله وبارزته بالمعاصي وتركت الصلوات وتهاونت في الأوامر وفعلتَ النواهي ارجع إلى ربك الغفور الرحيم قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ] {التَّحريم:8} [التحريم: 8].
نسأل الله العلي القدير الذي لا إله غيره أن يوفقنا لكل خير ويجعلنا من عباده الصالحين المصلحين ومن أوليائه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
@   @   @




(1) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب أن لله مئة اسم، ورواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.