السبت، 20 ديسمبر 2014

تفسير سورة عبس - إبن كثير

تفسير سورة عبس
إبن كثير
بسم الله الرحمن الرحيم
عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)
تفسير سورة عبس
وهي مكية.
بسم الله الرحمن الرحيم
{ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) }
ذكر غيرُ واحد من المفسرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوما يخاطبُ بعض عظماء قريش ، وقد طَمع في إسلامه ، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم - وكان ممن أسلم قديما - فجعل يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ويلح عليه ، وودَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كف ساعته تلك ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل ؛ طمعا ورغبة في هدايته. وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه ، وأقبل على الآخر ، فأنزل الله عز وجل : (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ) ؟ أي : يحصل له زكاة وطهارة في نفسه. (أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ) أي : يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم ، (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ) أي : أما الغني فأنت تتعرض له لعله يهتدي ، (وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى ) ؟ أي : ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة. (وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى ) أي : يقصدك ويؤمك ليهتدى بما تقول له ، (فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ) أي : تتشاغل. ومن هاهنا أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ألا يخص بالإنذار أحدًا ، بل يساوى فيه بين الشريف والضعيف ، والفقير والغني ، والسادة والعبيد ، والرجال والنساء ، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة.
قال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا محمد - هو ابن مهدي - حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا مَعْمَر ، عن قتادة [عن أنس] (1) في قوله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى ) جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يكلم أبي بن خلف ، فأعرض عنه ، فأنزل الله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى ) فكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه.
قال قتادة : وأخبرني أنس بن مالك قال : رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء -
__________
(1) تنبيه : ما بين المعقوفين ليس في أصل مسند أبي يعلى وتفسير عبد الرزاق. وهل من النسخ ، وأظنه مقحما. والله أعلم.
(8/319)
--------------------------------------------
يعني ابن أم مكتوم (1).
وقال أبو يعلى وابن جرير : حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، حدثني أبي ، عن هشام بن عروة مما عرضه عليه عن عُرْوَة ، عن عائشة قالت : أنزلت : (عَبَسَ وَتَوَلَّى ) في ابن أم مكتوم الأعمى ، أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : أرشدني. قالت : وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظماء المشركين. قالت : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يُعرض عنه ويقبل على الآخر ، ويقول : "أترى بما أقول بأسا ؟". فيقول : لا. ففي هذا أنزلت : (عَبَسَ وَتَوَلَّى ) (2).
وقد روى الترمذي هذا الحديث ، عن سعيد بن يحيى الأموي ، بإسناده ، مثله ، ثم قال : وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : أنزلَت (عَبَسَ وَتَوَلَّى ) في ابن أم مكتوم ، ولم يذكر فيه عن عائشة (3).
قلت : كذلك هو في الموطأ (4).
ثم روى ابن جرير وابن أبي حاتم أيضا من طريق العوفي ، عن ابن عباس قوله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى ) قال : بينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يناجي عتبةَ بن ربيعة ، وأبا جهل بنَ هشام ، والعباس بن عبد المطلب - وكان يتصدى لهم كثيرا ، ويحرص (5) عليهم أن يؤمنوا - فأقبل إليه رجل أعمى - يقال له عبد الله بن أم مكتوم - يمشي وهو يناجيهم ، فجعل عبد الله يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن ، وقال : يا رسول الله ، علمنى مما علمك الله. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعبس في وجهه ، وتولى وكَرهَ كَلامَه ، وأقبل على الآخرين ، فلما قضى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نجواه ، وأخذ ينقلب إلى أهله ، أمسك الله بعض بصره ، ثم خَفَق برأسه ، ثم أنزل الله : (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ) فلما نزل فيه ما نزل ، أكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "ما حاجتك ؟ هل تريد من شيء ؟ " وإذا ذهب من عنده قال : "هل لك حاجة في شيء ؟ ". وذلك لما أنزل الله تعالى : (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى ) (6).
فيه غرابة ونكارة ، وقد تُكُلّم في إسناده.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الرّمادي ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا الليث ، حدثنا يونس ، عن ابن شهاب قال : قال سالم بن عبد الله ، عن عبد الله بن عمر :
__________
(1) مسند أبي يعلى (5/431) ، وتفسير عبد الرزاق (2/282).
(2) مسند أبي يعلى (8/261) ، وتفسير الطبري (30/32).
(3) سنن الترمذي برقم (3328).
(4) الموطأ (1/203)
(5) في أ : "ويجعل".
(6) تفسير الطبري (30/32) ، ووجه غرابته ما نقله السهيلي في الروض الأنف عن شيخه ابن العربي قال : "قول المفسرين في الذي شغل النبي صلى الله عليه وسلم أنه الوليد بن المغيرة ، وأمية بن خلف ، والعباس كله باطل ، فإن أمية والوليد كانا بمكة ، وابن أم مكتوم كان بالمدينة ما حضر معهما ، ولا حضرا معه وماتا كافرين ، أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر ، ولم يقصد أمية المدينة قط ، ولا حضر عنده مفردا ولا مع آخر" انتهى.
(8/320)
---------------------------------
قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم". وهو الأعمى الذي أنزل الله فيه : (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى ) وكان يؤذن مع بلال. قال سالم : وكان رَجُلا ضريرَ البصر ، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس - حين ينظرون إلى بزوغ الفجر - : أذَّن (1).
وهكذا ذكر عروة بن الزبير ، ومجاهد ، وأبو مالك ، وقتادة ، والضحاك ، وابن زيد ، وغير واحد من السلف والخلف : أنها نزلت (2) في ابن أم مكتوم. والمشهور أن اسمه عبد الله ، ويقال : عمرو. والله أعلم.
وقوله : (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) أي : هذه السورة ، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم من (3) شريفهم ووضيعهم.
وقال قتادة والسدي : (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ) يعني : القرآن ، (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ) أي : فمن شاء ذكر الله في جميع أموره. ويحتمل عود الضمير على الوحي ؛ لدلالة الكلام عليه.
وقوله : (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ) أي : هذه السورة أو العظة ، وكلاهما متلازم ، بل جميع القرآن (فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ) أي : معظمة موقرة (مَرْفُوعَةٍ ) أي : عالية القدر ، (مُطَهَّرَةٍ ) أي : من الدنس والزيادة والنقص.
وقوله : (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك ، وابن زيد : هي الملائكة. وقال وهب بن منبه : هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال قتادة : هم القراء. وقال ابن جريج ، عن ابن عباس : السفرة بالنبطية : القراء.
وقال ابن جرير : الصحيح أن السفرة الملائكة ، والسفرة يعني بين الله وبين خلقه ، ومنه يقال : السفير : الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير ، كما قال الشاعر :
ومَا أدَعُ السّفَارَة بَين قَومي... وَما أمْشي بغش إن مَشَيتُ (4)
وقال البخاري : سَفَرةٌ : الملائكة. سَفرت : أصلحت بينهم. وجعلت الملائكةُ إذا نزلت بوَحْي الله وتأديته كالسفير الذي يصلح بين القوم (5).
وقوله : (كِرَامٍ بَرَرَةٍ ) أي : خُلقهم كريم حَسَنٌ شريف ، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.
قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا هشام ، عن قتادة ، عن زُرَارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة ، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران". أخرجه الجماعة من طريق قتادة ، به (6).
{ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ (32) }
__________
(1) أصل الحديث في صحيح مسلم برقم (1092).
(2) في م : "أنها أنزلت".
(3) في أ : "بين".
(4) تفسير الطبري (30/35).
(5) صحيح البخاري (8/691) "فتح".
(6) المسند (6/48) وصحيح البخاري برقم (4937) وصحيح مسلم برقم (798) وسنن أبي داود برقم (1454) وسنن الترمذي برقم (2904) وسنن النسائي الكبرى برقم (8047) وسنن ابن ماجة برقم (3779).
(8/321)
--------------------------------
إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)
يقول تعالى ذاما لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم : (قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : (قُتِلَ الإنْسَانُ ) لعن الإنسان. وكذا قال أبو مالك. وهذا لجنس الإنسان المكذب ؛ لكثرة تكذيبه بلا مستند ، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم.
قال ابن جرير (1) (مَا أَكْفَرَهُ ) ما أشد كفره! وقال ابن جرير : ويحتمل أن يكون المراد : أي شيء جعله كافرا ؟ أي : ما حمله على التكذيب بالمعاد (2).
وقال قتادة - وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي - : (مَا أَكْفَرَهُ ) ما ألعنه.
ثم بين تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير ، وأنه قادر على إعادته كما بدأه ، فقال : (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ) أي : قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) قال العوفي ، عن ابن عباس : ثم يسر عليه خروجه من بطن أمه. وكذا قال عكرمة ، والضحاك ، وأبو صالح ، وقتادة ، والسدي ، واختاره ابن جرير (3).
وقال مجاهد : هذه كقوله : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [الإنسان : 3] أي : بينا (4) له ووضحناه وسهلنا عليه عمله (5) وهكذا قال الحسن ، وابن زيد. وهذا هو الأرجح والله أعلم.
وقوله : (ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) أي : إنه بعد خلقه له (أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) أي : جعله ذا قبر. والعرب تقول : "قبرت الرجل" : إذا ولى ذلك منه ، وأقبره الله. وعضبت قرن الثور ،
وأعضبه الله ، وبترت ذنب البعير وأبتره الله. وطردت عني فلانا ، وأطرده الله ، أي : جعله طريدا قال الأعشى :
لَو أسْنَدَتْ مَيتًا إلى نَحْرها (6) عَاش ، وَلم يُنقَل إلى قَابِر (7)
__________
(1) في أ : "ابن جريح"
(2) تفسير الطبري (30/35) ، وقد تصرف الحافظ هنا في كلامه
(3) تفسير الطبري (30/36).
(4) في أ : "أي بيناه"
(5) في أ : "عمله".
(6) في م ، أ : "إلى صدرها".
(7) البيت في تفسير الطبري (30/36).
(8/322)
------------------------------
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (60)
وقوله : (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) أي : بعثه بعد موته ، ومنه يقال : البعث والنشور ، { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ } [الروم : 20] ، { وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } [البقرة : 259].
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أصبغُ بنُ الفَرج ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث : أن دراجا أبا السمح أخبره ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يأكل الترابُ كلَّ شيء من الإنسان إلا عَجْبُ ذَنَبه (1) قيل : وما هو يا رسول الله ؟ قال : "مثل حبة خردل منه ينشئون" (2).
وهذا الحديث ثابت في الصحيح من رواية الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، بدون هذه الزيادة ، ولفظه : "كل ابن آدم يَبْلى إلا عَجْبُ الذَّنَب ، منه خلق وفيه يُركَّب" (3).
وقوله : (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) قال ابن جرير : يقول : كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر ؛ من أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله ، (لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) يقول : لم يُؤد ما فُرض عليه من الفرائض لربه عز وجل.
ثم روى - هو وابن أبي حاتم - من طريق ابن أبي نَجِيح ، عن مجاهد قوله : (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) قال : لا يقضي أحد أبدا كل ما افتُرض عليه. وحكاه البغوي ، عن الحسن البصري ، بنحو من هذا. ولم أجد للمتقدمين فيه كَلامًا سوى هذا. والذي يقع لي في معنى ذلك - والله أعلم - أن المعنى : (ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ) أي : بعثه ، (كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) [أي] (4) لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة ، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى (5) له أن سيُوجَدُ منهم ، ويخرج إلى الدنيا ، وقد أمر به تعالى كونا وقدرا ، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.
وقد روى ابنُ أبي حاتم ، عن وهب بن مُنَبّه قال : قال عُزَير ، عليه السلام : قال الملك الذي جاءني : فإن القبور هي بطنُ الأرض ، وإن الأرض هي أم الخلق ، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق وتمت هذه القبورُ التي مَدّ الله لها ، انقطعت الدنيا ومات من عليها ، ولفظت الأرض ما في جوفها ، وأخرجت القبورُ ما فيها ، وهذا شبيه بما قلنا من معنى الآية ، والله - سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
وقال : (6) (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ) فيه امتنان ، وفيه استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعدما كانت عَظَاما بالية وترابا متمزقا ، (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ) أي : أنزلناه من السماء على الأرض ، (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا ) أي : أسكناه فيها فدخل في تُخُومها وتَخَلَّل في
__________
(1) في أ : "إلا عجز الذنب".
(2) ورواه الحاكم في المستدرك (4/609) من طريق بحر بن نصر ، عن ابن وهب به ، وقال : "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" قلت : دراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(3) صحيح البخاري برقم (4814) ، وصحيح مسلم برقم (2955)
(4) زيادة من م ، أ.
(5) في م : "ممن كتب الله".
(6) في أ : "وقوله".
(8/323)
------------------------------
أجزاء الحب المودعَ فيها فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض ، (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا ) فالحب : كل ما يذكر من الحبوب ، والعنب معروف والقضب هو : الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة. ويقال لها : القَتّ أيضا قال ذلك ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك. والسدي.
وقال الحسن البصري : القضب العلف.
(وَزَيْتُونًا ) وهو معروف ، وهو أدْمٌ وعصيره أدم ، ويستصبح به ، ويدهن به. (وَنَخْلا ) يؤكل بلحا بسرا ، ورطبا ، وتمرا ، ونيئا ، ومطبوخا ، ويعتصر منه رُبٌّ وخل. (وَحَدَائِقَ غُلْبًا ) أي : بساتين. قال الحسن ، وقتادة : (َ غُلْبًا ) نخل غلاظ كرام. وقال ابن عباس ، ومجاهد : "الحدائق" : كل ما التف واجتمع. وقال ابن عباس أيضا : (غُلْبًا ) (1) الشجر الذي يستظل به. وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : (وَحَدَائِقَ غُلْبًا ) أي : طوال. وقال عكرمة : (غُلْبًا ) أي : غلاظ الأوساط. وفي رواية : غلاظ الرقاب (2) ، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل : والله إنه لأغلب. رواه ابن أبي حاتم ، وأنشد ابن جرير للفرزدق :
عَوَى فَأثارَ أغلبَ ضَيْغَمِيًا... فَويلَ ابن المَراغَة ما استَثَارا (3)
وقوله : (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) أما الفاكهة فهو ما يتفكه به من الثمار. قال ابن عباس : الفاكهة : كل ما أكل رطبا. والأبّ ما أنبتت الأرض ، مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس - وفي رواية عنه : هو الحشيش للبهائم. وقال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو مالك : الأب : الكلأ. وعن مجاهد ، والحسن ، وقتادة ، وابن زيد : الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم. وعن عطاء : كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أبٌّ. وقال الضحاك : كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو أبٌّ.
وقال ابن إدريس ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن ابن عباس : الأب : نبت الأرض مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس. ورواه ابن جرير من ثلاث طرق ، عن ابن إدريس ، ثم قال : حدثنا أبو كُرَيْب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس ، حدثنا عبد الملك ، عن سعيد بن جبير قال : عدّ ابن عباس وقال : الأب : ما أنبتت الأرض للأنعام. هذا لفظ أبي كريب ، وقال أبو السائب : ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام.
وقال العوفي ، عن ابن عباس : الأب : الكلأ والمرعى. وكذا قال مجاهد ، والحسن ، وقتادة ، وابن زيد ، وغير واحد.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا محمد بن يزيد ، حدثنا العوام بن حَوشَب ، عن إبراهيم التَّيمي قال : سُئِلَ أبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، عن قوله تعالى : (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني إن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم (4).
__________
(1) في م : "الغلب".
(2) في م : "الأرقاب".
(3) تفسير الطبري (30/37)
(4) فضائل القرآن لأبي عبيد (ص 227) ، وسبق الكلام عليه في مقدمة التفسير.
(8/324)
----------------------
فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)
وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق. فأما ما رواه ابن جرير حيث قال : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، حدثنا حُمَيد ، عن أنس قال : قرأ عمر بن الخطاب (عَبَسَ وَتَوَلَّى ) فلما أتي على هذه الآية : (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ) قال : عرفنا ما الفاكهة ، فما الأب ؟ فقال : لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف (1).
فهو إسناد صحيح ، وقد رواه غير واحد عن أنس ، به. وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه ، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض ، لقوله : (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا )
وقوله : (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ ) أي : عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة.
{ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) }
قال ابن عباس : (الصَّاخَّةُ ) اسم من أسماء يوم القيامة ، عظمه الله ، وحَذّره عباده. قال ابن جرير : لعله اسم للنفخة في الصور. وقال البَغَويّ : (الصَّاخَّةُ ) يعني صيحة القيامة ؛ سميت بذلك لأنها تَصُخّ الأسماع ، أي : تبالغ في إسماعها حتى تكاد تُصمّها (2).
(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) أي : يراهم ، ويفر منهم ، ويبتعد عنهم ؛ لأن الهول عظيم ، والخطب جليل.
قال عكرمة : يلقى الرجل زوجته فيقول لها : يا هذه ، أيّ بعل كنتُ لك ؟ فتقول : نعم البعل كنتَ! وتثنى بخير ما استطاعت ، فيقول لها : فإني أطلبُ إليك اليومَ حسنًة واحدًة تهبينها (3) لي لعلي أنجو مما ترين. فتقول له : ما أيسر ما طلبتَ ، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا أتخوف مثل الذي تخاف. قال : وإن الرجل ليلقي ابنه فيتعلق به فيقول : يا بني ، أيّ والد كنتُ لك ؟ فيثني بخير. فيقولُ له : يا بني ، إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى. فيقول ولده : يا أبت ، ما أيسر ما طلبت ، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف ، فلا أستطيع أن أعطيك شيئا. يقول الله تعالى (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ )
وفي الحديث الصحيح - في أمر الشفاعة - : أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق ، يقول : نفسي نفسي ، لا أسأله اليومَ إلا نفسي ، حتى إن عيسى ابن مريم يقول :
__________
(1) تفسير الطبري (30/38) ، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (7/180) من طريق يزيد به ، وتقدم الكلام عليه في مقدمة التفسير.
(2) في أ : "تصخها".
(3) في أ : "تهبيها".
(8/325)
----------------------------
لا أسأله اليوم إلا نفسي ، لا أسأله مريم التي ولدتني. ولهذا قال تعالى : (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ) (1).
قال قتادة : الأحب فالأحبَ ، والأقرب فالأقربَ ، من هول ذلك اليوم.
وقوله : (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) أي : هو في شُغُل شاغل عن غيره.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار بن الحارث ، حدثنا الوليد بن صالح ، حدثنا ثابت أبو زيد العباداني ، عن هلال بن خَبَّاب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تحشرون حفاة عراة مشاة غُرلا " قال : فقالت زوجته : يا رسول الله ، أوَ يرى (2) بعضنا عورة بعض ؟ قال : " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) أو قال : "ما أشغله عن النظر".
وقد رواه النسائي منفردا به ، عن أبي داود ، عن عارم ، عن ثابت بن يزيد - وهو أبو زيد الأحول البصري ، أحد الثقات - عن هلال بن خَبَّاب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، به (3) وقد رواه الترمذي عن عبد بن حُمَيد ، عن محمد بن الفضل ، عن ثابت بن يزيد ، عن هلال ابن خَبَّاب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "تُحشَرون حُفاة عُرَاة غُرْلا". فقالت امرأة : أيبصر - أو : يرى - بعضنا عورة بعض ؟ قال : "يا فلانة ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (4). ثم قال الترمذي : وهذا حديث حسن صحيح ، وقد روى من غير وجه عن ابن عباس ، رضي الله عنه (5).
وقال النسائي : أخبرني عمرو بن عثمان ، حدثنا بَقِيَّة ، حدثنا الزبيدي ، أخبرني الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرلا". فقالت عائشة : يا رسول الله ، فكيف بالعورات ؟ فقال : " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (6).
انفرد به النسائي من هذا الوجه.
ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أزهر بن حاتم ، حدثنا الفضل بن موسى ، عن عائد ابن شُرَيح ، عن أنس بن مالك قال : سألت عائشة ، رضي الله عنها ، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، إني سائلتك عن حديث فتخبرني أنتَ به. فقال : "إن كان عندي منه علم". قالت : يا نبي الله ، كيف يُحشر الرجال ؟ قال : "حفاة عراة". ثم انتظَرتْ ساعة فقالت : يا نبي الله ، كيف يحشر النساء ؟ قال : "كذلك حفاة عراة". قالت : واسوأتاه من يوم القيامة! قال : "وعن أي ذلك تسألين ؟ إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون".
__________
(1) أحاديث الشفاعة سبقت عند تفسير أول سورة الإسراء.
(2) في م : "يا رسول الله ، ننظر أو يرى".
(3) سنن النسائي الكبري برقم (11647).
(4) سنن الترمذي برقم (3332).
(5) في أ : "رضي الله تعالى عنهما".
(6) سنن النسائي الكبرى برقم (11648).
(8/326)
------------------------
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)
قالت : أيةُ آية هي يا نبي الله ؟ قال : " (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (1).
وقال البغوي في تفسيره : أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشّريحي ، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي ، أخبرني الحسين بن عبد الله ، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، حدثنا محمد بن عبد العزيز ، حدثنا ابن أبي أويس ، حدثنا أبي ، عن محمد بن أبي عياش ، عن عطاء بن يسار ، عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يبعث الناس حفاة عراة غُرلا قد ألجمهم العرق ، وبلغ شحوم الآذان". فقلت : يا رسول الله ، واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض ؟ فقال : "قد شُغل الناس ، (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (2).
هذا حديث غريب من هذا الوجه جدا ، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي ، عن الفضل بن موسى ، به (3). ولكن قال أبو حاتم الرازي : عائذ بن شريح ضعيف ، في حديثه ضعف (4).
وقوله : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ) أي : يكون الناس هنالك فريقين : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ) أي : مستنيرة ، (ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ) أي : مسرورة فرحة من سرور قلوبهم ، قد ظهر البشر على وجوههم ، وهؤلاء أهل الجنة.
(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) أي : يعلوها ويغشاها (5) قترة ، أي : سواد.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سهل بن عثمان العسكري ، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يلجم الكافرَ العرقُ ثم تقع الغُبْرة على وجوههم". قال : فهو قوله : (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ) (6).
وقال ابن عباس : (تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) أي : يغشاها سواد الوجوه.
وقوله : (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) أي : الكفرة قلوبهم ، الفجرة في أعمالهم ، كما قال تعالى : { وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا } [نوح : 27].
آخر تفسير سورة "عبس" ولله الحمد والمنة.
__________
(1) ورواه الطبري في تفسيره (30/39) ، عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به.
(2) معالم التنزيل للبغوي (8/340) ، ورواه الحاكم في المستدرك (2/514) من طريق إسماعيل بن إسحاق ، عن إسماعيل بن أبي أويس به نحوه. وقال : "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ".
(3) تفسير الطبري (30/39)
(4) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (7/16).
(5) في م : "تعلوها وتغشاها".
(6) ذكره السيوطي في الدر المنثور (8/424) ، وله شاهد من حديث ابن مسعود : رواه ابن حبان في صحيحه برقم (2582) "موارد" من طريق شريك ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود مرفوعا : "إن الكافر ليلجمه العرق يوم القيامة فيقول : أرحنى ولو إلى النار".


تفسير سورة التكوير - إبن كثير

تفسير سورة التكوير

إبن كثير

بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14)

تفسير سورة التكوير
وهي مكية.

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص : أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره : أنه سمع ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من سَرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأيُ عين فليقرأ : " إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ " ، و " وإذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ " ، و " إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ".
وهكذا رواه الترمذي ، عن العباس بن عبد العظيم العنبري ، عن عبد الرزاق ، به (1).
بسم الله الرحمن الرحيم
{ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) }
قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } يعني : أظلمت. وقال العوفي ، عنه : ذهبت ، وقال مجاهد : اضمحَلّت وذَهَبت. وكذا قال الضحاك.
وقال قتادة : ذهب ضوءها. وقال سعيد بن جبير : { كُوِّرَتْ } غُوّرت.
وقال الربيع بن خُثَيم : { كُوِّرَتْ } يعني : رمى بها.
وقال أبو صالح : { كُوِّرَتْ } ألقيت. وعنه أيضا : نكست. وقال زيد بن أسلم : تقع في الأرض.
قال ابن جرير : والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جَمعُ الشيء بعضه إلى (2) بعض ، ومنه تكوير العمامة [وهو لفها على الرأس ، وكتكوير الكاره ، وهي] (3) جمع الثياب بعضها إلى (4) بعض ، فمعنى قوله : { كُوَّرَتْ } جمع بعضها إلى بعض ، ثم لفت فرمى بها ، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها (5).
__________
(1) المسند (2/27) ، وسنن الترمذي برقم (3333) ، وقال الترمذي : "هذا حديث حسن غريب".
(2) في م : "على".
(3) زيادة من تفسير الطبري.
(4) في م : "على".
(5) تفسير الطبري (30/41).
(8/328)
----------------------------------------
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج وعمرو بن عبد الله الأودي ، حدثنا أبو أسامة ، عن مجالد ، عن شيخ من بَجِيلة ، عن ابن عباس : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } قال : يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ، ويبعث الله ريحا دبورًا فتضرمها نارا. وكذا قال عامر الشعبي. ثم قال ابن أبي حاتم :
حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، عن ابن يزيد بن أبي مريم ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قول الله : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } قال : "كورت في جهنم" (1).
وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده : حدثنا موسى بن محمد بن حَيَّان ، حدثنا دُرُسْتُ بن زياد ، حدثنا يزيد الرقاشي ، حدثنا أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الشمس والقمر ثوران (2) عقيران في النار" (3).
هذا حديث ضعيف ؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف ، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة ، ثم قال البخاري :
حدثنا مُسَدَّد ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، حدثنا عبد الله الداناجُ ، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : "الشمس والقمر يكوران يوم القيامة" (4).
انفرد به البخاري وهذا لفظه ، وإنما أخرجه في كتاب "بدء الخلق" ، وكان جديرًا أن يذكره هاهنا أو يكرره ، كما هي عادته في أمثاله! وقد رواه البزار فَجَوّد إيراده فقال :
حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي ، حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن عبد الله الداناج قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد - مسجد الكوفة ، وجاء الحسن فجلس إليه فَحدّث قال : حدثنا أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الشمس والقمر نوران في النار يوم القيامة". فقال الحسن : وما ذنبهما ؟ فقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : أحسبه قال : وما ذنبهما.
ثم قال : لا يروى عن أبي هُرَيرة إلا من هذا الوجه ، ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث.
وقوله : { وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ } أي : انتثرت ، كما قال تعالى : { وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ } [الانفطار : 2] ، وأصل الانكدار : الانصباب.
قال الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب قال : ست آيات قبل يوم القيامة ، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس ، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم ، فبينما هم كذلك إذ
__________
(1) ورواه الديلمي في مسنده ، كما في الدر المنثور للسيوطي (8/426).
(2) في م ، أ ، هـ : "نوران" ، والصواب بالثاء.
(3) مسند أبي يعلى (7/148) ، ورواه ابن حبان في المجروحين (1/293) من طريق درست بن زياد به ، وقال في درست بن زياد : "كان منكر الحديث جدا ، لا يحل الاحتجاج بخبره. وروى عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك ، فذكر هذا الحديث".
(4) صحيح البخاري برقم (3200).
(8/329)
--------------------------------------------
وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت ، ففزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن ، واختلطت الدواب والطير والوحوش ، فماجوا بعضهم في بعض : { وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال : اختلطت ، { وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ } قال : أهملها أهلها ، { وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ } قال : قالت الجن : نحن نأتيكم بالخبر. قال : فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج ، قال : فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا ، قال فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم.
رواه ابن جرير (1) - وهذا لفظه - وابن أبي حاتم ، ببعضه ، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خُثَيم (2) ، والحسن البصري ، وأبو صالح ، وحماد بن أبي سليمان ، والضحاك في قوله : { وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ } ي : تناثرت.
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ } أي : تغيرت. وقال يزيد بن أبي مريم عن النبي صلى الله عليه وسلم : { وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ } قال : "انكدرت في جهنم ، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم ، إلا ما كان من عيسى وأمه ، ولو رضيا أن يُعبَدا لدخلاها". رواه ابن أبي حاتم بالإسناد المتقدم.
وقوله : { وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ } أي : زالت عن أماكنها ونُسِفت ، فتركت الأرض قاعا صفصفا.
وقوله : { وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ } قال عكرمة ، ومجاهد : عشار الإبل. قال مجاهد : { عُطِّلَت } تركت وسُيّبت.
وقال أبي بن كعب ، والضحاك : أهملها أهلها : وقال الربيع بن خُثَيم (3) لم تحلب ولم تُصَرّ ، تخلى منها أربابها.
وقال الضحاك : تركت لا راعي لها.
والمعنى في هذا كله متقارب. والمقصود أن العشار من الإبل - وهي : خيارها والحوامل منها التي قد وَصَلت في حملها إلى الشهر العاشر - واحدها (4) عُشَراء ، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع - قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها ، بعد ما كانوا أرغب شيء فيها ، بما دَهَمهم من الأمر العظيم المُفظع الهائل ، وهو أمر القيامة وانعقاد أسبابها ، ووقوع مقدماتها.
وقيل : بل يكون ذلك يوم القيامة ، يراها أصحابها كذلك ولا سبيل لهم إليها. وقد قيل في العشار : إنها السحاب يُعطَّل عن المسير بين السماء والأرض ، لخراب الدنيا. و[قد] (5) قيل : إنها الأرض التي تُعشَّر. وقيل : إنها الديار التي كانت تسكن تُعَطَّل لذهاب أهلها. حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه "التذكرة" ، ورجح أنها الإبل ، وعزاه إلى أكثر الناس (6).
__________
(1) تفسير الطبري (30/41).
(2) في أ : "خيثم".
(3) في أ : "خيثم".
(4) في م : "واحدتها".
(5) زيادة من م.
(6) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص 212 ، 213).
(8/330)
------------------------------
قلت : بل لا يعرف عن السلف والأئمة سواه ، والله أعلم.
وقوله : { وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } أي : جمعت. كما قال تعالى : { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } [الأنعام : 38]. قال ابن عباس : يحشر كل شيء حتى الذباب. رواه ابن أبي حاتم. وكذا قال الربيع بن خُثَيم (1) والسّديّ ، وغير واحد. وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية : إن هذه الخلائق [موافية] (2) فيقضي الله فيها ما يشاء.
وقال عكرمة : حشرها : موتها.
وقال ابن جرير : حدثني علي بن مسلم الطوسي ، حدثنا عباد بن العوام ، أخبرنا حُصَين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : { وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال : حَشرُ البهائم : موتها ، وحشر كل شيء الموت غيره (3) الجن والإنس ، فإنهما يوقفان يوم القيامة.
حدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا وَكِيع ، عن سفيان ، عن أبيه ، عن أبي يعلى ، عن الربيع بن خُثَيم (4) : { وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } قال : أتى عليها أمر الله. قال سفيان : قال أبي : فذكرته لعكرمة ، فقال : قال ابن عباس : حشرها : موتها.
وقد تقدم عن أبيّّ بن كعب أنه قال : { وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } اختلطت.
قال ابن جرير : والأولى قَولُ من قال : { حُشِرَت } جُمعت ، قال الله تعالى : { وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً } [ص : 19] ، أي : مجموعة.
وقوله : { وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ } قال ابن جرير : حدثنا يعقوب ، حدثنا ابن عُلَية ، عن داود ، عن سعيد بن المسيب قال : قال علي ، رضي الله عنه ، لرجل من اليهود : أين جهنم ؟ قال : البحر. فقال : ما أراه إلا صادقا. { وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ } [الطور : 6] ، { وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ } [مخففة] (5) (6).
وقال ابن عباس وغير واحد : يرسل الله عليها الدّبور فتسعرها ، وتصير نارًا تأجج ، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله : { وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ }
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد ، حدثنا أبو طاهر ، حدثني عبد الجبار بن سليمان أبو سليمان النفاط - شيخٌ صَالِح يُشبهُ مالكَ بن أنس - عن معاوية بن سعيد قال : إن هذا البحر بركة - يعني بحر الرُّوم - وسط الأرض ، والأنهار كلها تصب فيه ، والبحر الكبير يصب فيه ، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس ، فإذا كان يوم القيامة أسجر.
__________
(1) في أ : "خيثم".
(2) زيادة من م ، أ.
(3) في م : "غير".
(4) في أ : "خيثم".
(5) زيادة من تفسير الطبري.
(6) تفسير الطبري (30/43).
(8/331)
-------------------------------
وهذا أثر غريب عجيب. وفي سنن أبي داود : "لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز ، فإن تحت البحر نارا ، وتحت النار بحرا" الحديث ، وقد تقدم الكلام عليه في سورة "فاطر" (1).
وقال مجاهد ، والحسن بن مسلم : { سُجِّرَت } أوقدت. وقال الحسن : يبست. وقال الضحاك ، وقتادة : غاض ماؤها فذهب ولم يبق فيها قطرة. وقال الضحاك أيضا : { سُجِّرَتْ } فجرت. وقال السدي : فتحت وسيرت. وقال الربيع بن خُثَيم (2) { سُجِّرَتْ } فاضت.
وقوله : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } أي : جمع كل شكل إلى نظيره ، كقوله : { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } [الصافات : 22].
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن الصباح البزار ، حدثنا الوليد بن أبي ثور ، عن سمَاك ، عن النعمان بن بشير أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } قال : الضرباء ، كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله" ، وذلك بأن الله عز وجل يقول : { وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } [الواقعة : 7 - 10] ، قال : هم الضرباء (3).
ثم رواه ابن أبي حاتم من طرق أخر ، عن سماك بن حرب ، عن النعمان بن بشير أن عُمَر خطب الناس فقرأ : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } فقال : تَزَوّجها : أن تؤلف (4) كل شيعة إلى شيعتهم. وفي رواية : هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار (5).
وفي رواية عن النعمان قال : سئل عمر عن قوله تعالى : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } فقال : يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح ، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار ، فذلك تزويج الأنفس.
وفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس : ما تقولون في تفسير هذه الآية : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } ؟ فسكتوا. قال : ولكن هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة ، والرجل يزوج نظيره من أهل النار ، ثم قرأ : { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ }
وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } قال : ذلك حين يكون الناس أزواجا ثلاثة.
وقال ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } قال : الأمثال من الناس جمع
__________
(1) لم يتقدم الكلام على الحديث في سورة "فاطر" ، وهو في سنن أبي داود برقم (2489) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(2) في أ : "خيثم".
(3) ورواه ابن مردويه في تفسيره ، كما في الدر المنثور (8/429).
(4) في أ : "أن يؤلف الله".
(5) ورواه أبو بكر بن حمدان كما في مسند عمر (2/620) للمؤلف من طريق خلف بن الوليد ، عن إسرائيل عن سماك بنحوه ، ورواه عبد الرزاق في تفسيره (2/284 ، 285) ، عن الثوري ، عن سماك ، عن النعمان ، وعن إسرائيل ، عن سماك ، عن النعمان ، ورواه الحاكم في المستدرك (2/515) من طريق سفيان عن سماك ، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه
(8/332)
--------------------------
بينهم. وكذا قال الربيع بن خُثَيم (1) والحسن ، وقتادة. واختاره ابن جرير ، وهو الصحيح.
قول آخر في قوله : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } قال ابن أبي حاتم :
حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن أشعث [بن سوار] (2) ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : يسيل واد من أصل العرش من ماء فيما بين الصيحتين ، ومقدار ما بينهما أربعون عاما ، فينبت منه كل خلق بلي ، من الإنسان أو طير أو دابة ، ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم على الأرض. قد نبتوا ، ثم تُرسَل الأرواح فتزوج الأجساد ، فذلك قول الله تعالى (3) : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }
وكذا قال أبو العالية ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، والحسن البصري أيضا في قوله : { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } أي : زوجت بالأبدان. وقيل : زوج المؤمنون بالحور العين ، وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في "التذكرة" (4).
وقوله : { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } هكذا قراءة الجمهور : { سُئلَت } والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات ، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت ، ليكون ذلك تهديدا لقاتلها ، فإذا (5) سئل المظلوم فما ظن الظالم إذا ؟!
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ } أي : سألت. وكذا قال أبو الضحى : "سألت" أي : طالبت بدمها. وعن السدي ، وقتادة ، مثله (6).
وقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة ، فقال الإمام أحمد :
حدثنا عبد الله بن يزيد ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثني أبو الأسود - وهو : محمد بن عبد الرحمن بن نوفل - عن عروة ، عن عائشة ، عن جُدَامة بنت وهب - أخت عكاشة - قالت حضرتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في ناس وهو يقول : " لقد هممت أن أنهى عن الغيلَة ، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يُغيلُونَ أولادهم ، ولا يضر أولادهم ذلك شيئا". ثم سألوه عن العزل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذلك الوأد الخفي ، وهو الموءودة سئلت".
ورواه مسلم من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ - وهو عبد الله بن يزيد - عن سعيد بن أبي أيوب (7) ورواه أيضا ابن ماجة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني ، عن يحيى بن أيوب (8) ورواه مسلم أيضا وأبو داود والترمذي ، والنسائي ، من حديث مالك بن
__________
(1) في أ : "خيثم".
(2) زيادة من م.
(3) في م ، أ : "قول الله عز وجل".
(4) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص 213).
(5) في م : "فإنه إذا".
(6) انظر : تفسير الطبري (30/45) ، والبحر المحيط لأبي حيان (8/433).
(7) المسند (6/434) ، وصحيح مسلم برقم (1442).
(8) سنن ابن ماجة برقم (2011)
(8/333)
-------------------------------
أنس ، ثلاثتهم عن أبي الأسود ، به (1).
وقال الإمام أحمد : حدثنا ابن أبي عَدي ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، عن علقمة ، عن سلمة بن يزيد الجُعْفي قال : انطلقتُ أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا : يا رسول الله ، إن أمنا مليكة كانت تَصل الرحم وتقري الضيف ، وتفعل [وتفعل] (2) هلكت في الجاهلية ، فهل ذلك نافعها شيئا ؟ قال : "لا". قلنا : فإنها كانت وأدت أختا لنا في الجاهلية ، فهل ذلك نافعُها شيئا ؟ قال : "الوائدةُ والموءودةُ في النار ، إلا أن يدركَ الوائدةَ الإسلامُ ، فيعفو الله عنها".
ورواه النسائي ، من حديث داود بن أبي هند ، به (3).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، حدثنا أبو أحمد الزبيري (4) ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن علقمة وأبي الأحوص ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الوائدة والموءودة في النار" (5).
وقال أحمد أيضا : حدثنا إسحاق الأزرق ، أخبرنا عوف ، حدثتني حسناء (6) ابنة معاوية الصُّرَيمية ، عن عمها قال : قلت : يا رسول الله ، من في الجنة ؟ قال : "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والموءودة في الجنة" (7).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا قرة قال : سمعت الحسن يقول : قيل : يا رسول الله ، من في الجنة ؟ قال : "الموءودة في الجنة".
هذا حديث مرسل من مراسيل الحسن ، ومنهم من قبله.
وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبو عبد الله الظهراني ، حدثنا حفص بن عمر العدني ، حدثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة قال : قال ابن عباس : أطفال المشركين في الجنة ، فمن زعم أنهم في النار فقد كذب ، يقول الله عز وجل (8) { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } قال ابن عباس : هي المدفونة.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسرائيل ، عن سمَاك بن حرب ، عن النعمان بن بشير ، عن عمر بن الخطاب في قوله : { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ [بأَيّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] } (9) ، قال : جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني وأدت بنات لي في الجاهلية ، فقال : "أعتق عن كل واحدة منهن رقبة". قال : يا رسول الله ، إني صاحب إبل ؟ قال : "فانحر عن كل واحدة منهن بدنة".
__________
(1) صحيح مسلم برقم (1442) ، وسنن أبي داود برقم (3882) وسنن الترمذي برقم (2077) وسنن النسائي (6/106)
(2) زيادة من م ، أ والمسند.
(3) المسند (3/478) وسنن النسائي الكبرى برقم (11649).
(4) في أ : "التبريذي".
(5) ورواه أبو داود في السنن برقم (4717) من طريق أبي إسحاق ، عن عامر ، عن علقمة ، عن ابن مسعود به ، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (10/114) من طريق أبي إسحاق ، عن الشعبي عن علقمة ، عن ابن مسعود ، به.
(6) في م ، أ : "خنساء".
(7) المسند (5/58).
(8) في م : "الله تعالى".
(9) زيادة من أ.
(8/334)
--------------------------
قال الحافظ أبو بكر البزار : خولف فيه عبد الرزاق ، ولم نكتبه إلا عن الحسين بن مهدي ، عنه (1).
وقد رواه ابن أبي حاتم فقال : أخبرنا أبو عبد الله الظهراني (2) - فيما كتب إلي - قال : حدثنا عبد الرزاق فذكره بإسناده مثله ، إلا أنه قال : "وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية". وقال في آخره : "فأهد إن شئت عن كل واحدة (3) بدنة". ثم قال :
حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا قيس بن الربيع ، عن الأغر بن الصباح ، عن خليفة بن حُصَين قال : قدم قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني وأدتُ اثنتي عشرة ابنًة لي في الجاهلية - أو : ثلاث عشرة - قال (4) : " أعتق عددهن نَسِما". قال : فأعتق عددهن نسما ، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة ، فقال : يا رسول الله ، هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي طالب : فكنا نريحها ، ونسميها القيسية (5).
وقوله : { وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ } قال الضحاك : أعطى كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله. وقال قتادة : [صحيفتك] (6) يا ابن آدم ، تُملى فيها ، ثم تطوى ، ثم تنشر عليك يوم القيامة ، فلينظر (7) رجل ماذا يملي في صحيفته.
وقوله : { وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ } قال مجاهد : اجتذبت. وقال السدي : كشفت. وقال الضحاك : تنكشط فتذهب.
وقوله : { وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ } قال السدي : أحميت. وقال قتادة : أوقدت. قال : وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم.
وقوله : { وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } قال الضحاك ، وأبو مالك ، وقتادة ، والربيع بن خُثَيم (8) أي : قربت إلى أهلها.
وقوله : { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ } هذا هو الجواب ، أي : إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك لها ، كما قال تعالى : { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا } [آل عمران : 30]. وقال تعالى : { يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [القيامة : 13].
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبدة ، حدثنا ابن المبارك ، أخبرنا محمد بن مُطَرّف ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال : لما نزلت : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } قال عمر : لما بلغ { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ } قال : لهذا أجرىَ الحديثُ.
__________
(1) مسند البزار برقم (2280) "كشف الأستار".
(2) في م ، أ : "الطبراني".
(3) في م : "واحدة منهن".
(4) في م : "فقال".
(5) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (18/338) من طريق يحيى الحماني ، عن قيس بن الربيع به نحوه ، والحماني ضعيف لكنه توبع هنا.
(6) زيادة من تفسير الطبري (30/46). مستفادا من هامش ط. الشعب.
(7) في م : "فينظر".
(8) في أ : "خيثم".
(8/335)
----------------------------
فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)
{ فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِي الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) }
روى مسلم في صحيحه ، والنسائي في تفسيره عند هذه الآية ، من حديث مِسْعر بن كِدَام ، عن الوليد بن سَرِيع ، عن عمرو بن حُرَيث قال : صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم الصبح ، فسمعته يقرأ : { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } (1).
ورواه النسائي عن بندار ، عن غُنْدَر ، عن شعبة ، عن الحجاج بن عاصم ، عن أبي الأسود ، عن عمرو بن حُرَيث ، به نحوه (2).
قال ابن أبي حاتم وابن جرير ، من طريق الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن رجل من مراد ، عن علي : { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } قال : هي النجوم تخنس بالنهار ، وتظهر بالليل.
وقال ابن جرير : حدثنا ابن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر قال : حدثنا شعبة ، عن سماك بن حرب ، سمعت خالد بن عرعرة ، سمعت عليا وسئل عن : { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } فقال : هي النجوم ، تخنِس بالنهار وتكنس بالليل (3).
وحدثنا أبو كُرَيْب ، حدثنا وَكِيع ، عن إسرائيل ، عن سِماك ، عن خالد ، عن عليّ قال : هي النجوم.
وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة ، وهو السهمي الكوفي ، قال أبو حاتم الرازي : روي عن علي ، وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني (4) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا والله أعلم.
وروى يونس ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي : أنها النجوم. رواه ابن أبي حاتم وكذا رُوي عن ابن عباس ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والسّدي ، وغيرهم : أنها النجوم.
وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا هَوذة بن خليفة ، حدثنا عوف ، عن بكر بن عبد الله في قوله : { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } قال : هي النجوم الدراريّ ، التي تجرى تستقبل المشرق.
__________
(1) صحيح مسلم برقم (456) ، وسنن النسائي الكبرى برقم (11651).
(2) سنن النسائي الكبرى برقم (11650).
(3) تفسير الطبري (30/47).
(4) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (3/343).
(8/336)
------------------------------------------
وقال بعض الأئمة : إنما قيل للنجوم : "الخنس" ، أي : في حال طلوعها ، ثم هي جوار في فلكها ، وفي حال غيبوبتها يقال لها : "كُنَّس" من قول العرب : أوى الظبي إلى كنَاسة : إذا تغيب فيه.
وقال الأعمش ، عن إبراهيم قال : قال عبد الله : { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ } قال : بقر الوحش. وكذا قال الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي ميسرة ، عن عبد الله : { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } ما هي يا عمرو ؟ قلت : البقر. قال : وأنا أرى ذلك.
وكذا روى يونس عن أبي إسحاق ، عن أبيه.
وقال أبو داود الطيالسي ، عن عمرو ، عن أبيه ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : { الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } قال : البقر [الوحش] (1) تكنس إلى الظل. وكذا قال سعيد بن جبير.
وقال العوفي ، عن ابن عباس : هي الظباء. وكذا قال سعيد أيضا ، ومجاهد ، والضحاك.
وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد : هي الظباء والبقر.
وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب ، حدثنا هُشَيْم ، أخبرنا مغيرة (2) عن إبراهيم ومجاهد : أنهما تذاكرا هذه الآية : { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } فقال إبراهيم لمجاهد : قل فيها بما سمعت. قال : فقال مجاهد : كنا نسمع فيها شيئا ، وناس يقولون : إنها النجوم. قال : فقال إبراهيم : قل فيها بما سمعت. قال : فقال مجاهد : كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حُجْرتها. قال : فقال إبراهيم : إنهم يكذبون على عليّ ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى ، والأعلى الأسفل.
وتوقف ابن جرير في قوله : { الْخُنَّسِ الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } هل هو النجوم ، أو الظباء وبقر الوحش ؟ قال : ويحتمل أن يكون الجميع مرادا.
وقوله : { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } فيه قولان :
أحدهما : إقباله بظلامه. قال مجاهد : أظلم. وقال سعيد بن جبير : إذا نشأ. وقال الحسن البصري : إذا غَشى الناس. وكذا قال عطية العوفي.
وقال علي بن أبي طلحة ، والعوفي عن ابن عباس : { إِذَا عَسْعَسَ } إذا أدبر. وكذا قال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وكذا قال زيد بن أسلم ، وابنه عبد الرحمن : { إِذَا عَسْعَسَ } أي : إذا ذهب فتولى.
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البَخْتَري ، سمع أبا عبد الرحمن السلمي قال : خرج علينا علي ، رضي الله عنه ، حين ثَوّب المثوب بصلاة الصبح فقال : أين السائلون عن الوتر : { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } ؟ هذا حين أدبر حسن.
__________
(1) زيادة من م.
(2) في أ : "سفيان".
(8/337)
-------------------------------------
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله : { إِذَا عَسْعَسَ } إذا أدبر. قال لقوله : { وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } أي : أضاء ، واستشهد بقول الشاعر (1) أيضا :
حَتّى إذا الصُّبحُ له تَنَفَّسا... وانجابَ عَنها لَيلُها وعَسعَسَا...
أي : أدبر. وعندي أن المراد بقوله : { عَسْعَسَ } إذا أقبل ، وإن كان يصح استعماله في الإدبار ، لكن الإقبال هاهنا أنسب ؛ كأنه أقسم تعالى بالليل (2) وظلامه إذا أقبل ، وبالفجر وضيائه إذا أشرق ، كما قال : { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } [الليل : 1 ، 2] ، وقال : { وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى } [الضحى : 1 ، 2] ، وقال { فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا } [الأنعام : 96] ، وغير ذلك من الآيات.
وقال كثير من علماء الأصول : إن لفظة "عسعس" تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك ، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما ، والله أعلم.
قال ابن جرير : وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن "عسعس" : دنا من أوله وأظلم. وقال الفراء : كان أبو البلاد (3) النحوي يُنشد بيتًا :
عَسعَس حَتَّى لو يشاء ادّنا... كانَ له من ضَوئه مَقبس...
يريد : لو يشاء إذ دنا ، أدغم الذال في الدال. وقال الفراء : وكانوا يَرَون أن هذا البيت مصنوع (4).
وقوله : { وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } قال الضحاك : إذا طلع. وقال قتادة : إذا أضاء وأقبل. وقال سعيد بن جبير : إذا نشأ. وهو المروي عن علي ، رضي الله عنه.
وقال ابن جرير : يعني : وَضَوءُ النهار إذا أقبل وَتَبَيَّن.
وقوله : { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } يعني : أن هذا القرآن لتبليغُ رسول كريم ، أي : ملك شريف حَسَن الخلق ، بهي المنظر ، وهو جبريل ، عليه الصلاة والسلام. قاله ابن عباس ، والشعبي ، وميمون بن مِهْران ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وغيرهم.
{ ذِي قُوَّةٍ } كقوله { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ [فَاسْتَوَى] (5) } [النجم : 5 ، 6] ، أي : شديد الخَلْق ، شديد البطش والفعل ، { عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } أي : له مكانة عند الله عز وجل ومنزلة رفيعة.
قال أبو صالح في قوله : { عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } قال : جبريل يدخل في سبعين حجابا من
__________
(1) البيت في تفسير الطبري (30/50) منسوبا إلى علقمة بن قرط.
(2) في م : "بالفجر".
(3) في أ : "أبو التلاد".
(4) تفسير الطبري (30/50)
(5) زيادة من أ.
(8/338)
---------------------------------------
نور بغير إذن ، { مُطَاعٍ ثَمَّ } أي : له وجاهة ، وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى.
قال قتادة : { مُطَاعٍ ثَمَّ } أي : في السموات ، يعني : ليس هو من أفناد الملائكة ، بل هو من السادة والأشراف ، مُعتَنى به ، انتخب لهذه الرسالة العظيمة.
وقوله : { أَمِينٍ } صفة لجبريل بالأمانة ، وهذا عظيم جدا أن الرب عز وجل يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله : { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ }
قال الشعبي ، وميمون بن مهران ، وأبو صالح ، ومن تقدم ذكرهم : المراد بقوله : { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى : { وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ } يعني : ولقد رأى محمدٌ جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله عز وجل على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح { بِالأفُقِ الْمُبِينِ } أي : البين ، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء ، وهي المذكورة في قوله : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إَلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } [النجم : 5 - 10] ، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره. والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل ، عليه السلام. والظاهر - والله أعلم - أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء ؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى ، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله : { وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى } [النجم : 13 - 16] ، فتلك إنما ذكرت في سورة "النجم" ، وقد نزلت بعد[سورة] (1) الإسراء.
وقوله : { وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ } أي : وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين ، أي : بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد ، أي : ببخيل ، بل يبذله لكل أحد.
قال سفيان بن عُيَينة : ظنين وضنين سواء ، أي : ما هو بكاذب ، وما هو بفاجر. والظنين : المتهم ، والضنين : البخيل.
وقال قتادة : كان القرآن غيبا ، فأنزله الله على محمد ، فما ضَنّ به على الناس ، بل بَلَّغه ونشره وبذله لكل من أراده. وكذا قال عكرمة ، وابن زيد ، وغير واحد. واختار ابنُ جرير قراءة الضاد (2).
قلت : وكلاهما متواتر ، ومعناه صحيح كما تقدم.
وقوله : { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } أي : وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم ، أي : لا يقدر على حمله ، ولا يريده ، ولا ينبغي له. كما قال : { وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } [الشعراء : 210 - 212].
__________
(1) زيادة من م.
(2) تفسير الطبري (30/53).
(8/339)
-------------------------
وقوله : { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } ؟ أي : فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن ، مع ظهوره ووضوحه ، وبيان كونه جاء (1) من عند الله عز وجل ، كما قال الصديق ، رضي الله عنه ، لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين ، وأمرهم فتلوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة الذي هو في غاية الهذيان والركاكة ، فقال : ويحكم ، أين يُذهَب بعقولكم (2) ؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إلٍّ ، أي : من إله.
وقال قتادة : { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } أي : عن كتاب الله وعن طاعته.
وقوله : { إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } أي : هذا القرآن ذكر لجميع الناس ، يتذكرون به ويتعظون ، { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } أي : من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن ، فإنه منجاةٌ له وهداية ، ولا هداية فيما سواه ، { وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } أي : ليست المشيئة موكولة إليكم ، فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل ، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله عز وجل رب العالمين.
قال سفيان الثوري ، عن سعيد بن عبد العزيز ، عن سليمان بن موسى : لما نزلت هذه الآية : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } قال أبو جهل : الأمر إلينا ، إن شئنا استقمنا ، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (3) }.
آخر تفسير سورة "التكوير" ولله الحمد [والمنة] (4).
__________
(1) في م "حقا".
(2) في م : "أين تذهب عقولكم".
(3) رواه الطبري في تفسيره (30/53).
(4) زيادة من م.



تفسير سورة الإنفطار - إبن كثير

تفسير سورة الإنفطار

إبن كثير

بسم الله الرحمن الرحيم

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)

تفسير سورة الانفطار
وهي مكية.
قال النسائي : أخبرنا محمد بن قدامة ، حدثنا جرير عن الأعمش ، عن محارب بن دثَار ، عن جابر قال : قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطوّل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أفتان يا معاذ ؟! [أفتان يا معاذ ؟!] (1) أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى ، والضحى ، وإذا السماء انفطرت ؟!" (2).
وأصل الحديث مخرج في الصحيحين (3) ولكن ذُكَر " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ " في (4) أفراد النسائي. وتقدم من رواية عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "من سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى القيامة رأي عين فليقرأ : " إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ " و " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ " و " إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " " (5).
بسم الله الرحمن الرحيم
{ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) }
يقول تعالى : { إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ } أي : انشقت. كما قال : { السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِه } [الزمر : 18].
{ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ } أي : تساقطت.
{ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ } قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فجر الله بعضها في بعض. وقال الحسن : فجر الله بعضها في بعض ، فذهب ماؤها. وقال قتادة : اختلط مالحها بعذبها. وقال الكلبي : ملئت.
{ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَت } قال ابن عباس : بُحِثَت. وقال السدي : تُبَعثر : تُحرّك فيخرج من فيها.
{ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } أي : إذا كان هذا حَصَل هذا.
وقوله : { يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } ؟ : هذا تهديد ، لا كما يتوهمه بعض الناس
__________
(1) زيادة من سنن النسائي.
(2) سنن النسائي الكبرى برقم (11652).
(3) صحيح البخاري برقم (700 ، 711) وصحيح مسلم برقم (465).
(4) في م ، أ : "من".
(5) تقدم تخريج الحديث عند تفسير سورة التكوير ، وهو في سنن الترمذي برقم (3333).
(8/341)
-------------------------
من أنه إرشاد إلى الجواب ؛ حيث قال : { الْكَرِيمِ } حتى يقول قائلهم : غره كرمه. بل المعنى في هذه الآية : ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم - أي : العظيم - حتى أقدمت على معصيته ، وقابلته بما لا يليق ؟ كما جاء في الحديث : "يقول الله يوم القيامة : ابن (1) آدم ، ما غرك بي ؟ ابن آدم ، ماذا أجبتَ المرسلين ؟".
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان : أن عمر سمع رجلا يقرأ : { يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } فقال عمر : الجهل (2).
وقال أيضا : حدثنا عمر بن شَبَّة ، حدثنا أبو خلف ، حدثنا يحيى البكاء ، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية : { يَاأَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } قال ابن عمر : غره - والله - جهله.
قال : ورُوي عن ابن عباس ، والربيع بن خُثَيم (3) والحسن ، مثل ذلك.
وقال قتادة : { مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } شيءٌ ، ما غَرّ ابن آدم غير هذا العدو الشيطان.
وقال الفضيل بن عياض : لو قال لي : "ما غرك بي (4) لقلت : سُتُورك المُرخاة.
وقال أبو بكر الوراق : لو قال لي : { مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } لقلت : غرني كرم الكريم.
قال البغوي : وقال بعض أهل الإشارة : إنما قال : { بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } دون سائر أسمائه وصفاته ، كأنه لقنه الإجابة (5).
وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل ؛ لأنه إنما أتى باسمه { الْكَرِيم } ؛ لينبه (6) على أنه لا ينبغي أن يُقَابَل الكريم بالأفعال القبيحة ، وأعمال السوء.
و [قد] (7) حكى البغوي ، عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا نزلت هذه الآية في الأسود بن شَريق ، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقب في الحالة الراهنة ، فأنزل الله : { مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } ؟ (8).
وقوله : { الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ } أي : ما غرك بالرب الكريم { الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ } أي : جعلك سَويا معتدل القامة منتصبها ، في أحسن الهيئات والأشكال.
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر ، حدثنا حَريزُ ، حدثني عبد الرحمن بن مَيسرة ، عن جُبير ابن نُفَير ، عن بُسْر بن جحَاش القرشي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق يوما في كفه ، فوضع عليها إصبعه ، ثم قال : "قال اللَه عز وجل : ابن (9) آدم أنَّى تُعجِزني وقد خلقتك من مثل هذه ؟ حتى
__________
(1) في م : "يا ابن".
(2) ذكره السيوطي في الدر المنثور (8/439) وعزاه لابن المنذر وسعيد بن منصور أيضا.
(3) في أ : "خيثم".
(4) في أ : "بربك".
(5) معالم التنزيل للبغوي (8/356).
(6) في أ : "للتنبيه".
(7) زيادة من م.
(8) معالم التنزيل للبغوي (8/356).
(9) في م : "يا ابن".
(8/342)
--------------------------
إذا سَوّيتك وعدلتك ، مشيت بين بردين وللأرض منك وَئِيدٌ ، فجَمَعت ومَنعت ، حتى إذا بلغت التراقي قلتَ : أتصدقُ ، وأنَّى أوانُ الصدقة".
وكذا رواه ابن ماجة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون ، عن حَريز بن عثمان ، به (1).
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزِّي : وتابعه يحيى بن حمزة ، عن ثور بن يزيد ، عن عبد الرحمن بن ميسرة (2).
وقوله : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } قال مجاهد : في أي شَبَه أب أو أم أو خال أو عم ؟
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سنان القزاز ، حدثنا مُطَهَّر بن الهيثم ، حدثنا موسى بنُ عُلَيِّ بن رَبَاح ، حدثني أبي ، عن جدي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : "ما ولد لك ؟" قال : يا رسول الله ، ما عسى أن يُولَد لي ؟ إما غلام وإما جارية. قال : "فمن يشبه ؟". قال : يا رسول الله ، من عسى أن يشبه ؟ إما أباه وإما أمه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها : "مه. لا تقولَنَّ هكذا ، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم ؟ أما قرأت هذه الآية في كتاب الله : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } " قال : سَلَكك (3).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني ، من حديث مُطهر بن الهيثم ، به (4) وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية ، ولكن إسناده ليس بالثابت ؛ لأن "مُطَهَّر بن الهيثم" قال فيه أبو سعيد بن يونس : كان متروك الحديث. وقال ابن حبان : يُرْوى عن موسى بن علي وغيره ما لا يُشبهُ حَديثَ الأثبات. ولكن في الصحيحين عن أبي هُرَيرة أن رَجُلا قال : يا رسول الله ، إن امرأتي وَلَدت غُلامًا أسودَ ؟. قال : "هل لك من إبل ؟". قال : نعم. قال : "فما ألوانها ؟" قال : حُمر. قال : "فهل فيها من أورَق ؟" قال : نعم. قال : "فأنى أتاها ذلك ؟" قال : عسى أن يكون نزعة عِرْق. قال : "وهذا عسى أن يكون نزعة عرق" (5).
وقد قال عكرمة في قوله : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } إن شاء في صورة قرد ، وإن شاء في صورة خنزير. وكذا قال أبو صالح : إن شاء في صورة كلب ، وإن شاء في صورة حمار ، وإن شاء في صورة خنزير.
وقال قتادة : { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } قال : قادر - والله - ربنا على ذلك. ومعنى هذا القول عند هؤلاء : أن الله ، عز وجل ، قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من الحيوانات
__________
(1) المسند (4/210) وسنن ابن ماجة برقم (2707) وقال البوصيري في الزوائد (2/365) : "إسناد صحيح رجاله ثقات".
(2) تحفة الأشراف للمزي (2/97).
(3) في م : "شكلك".
(4) المعجم الكبير (5/74).
(5) صحيح البخاري برقم (5305) وصحيح مسلم برقم (1500).
(8/343)
---------------
المنكرة الخلق ، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام ، حَسَن المنظر والهيئة.
وقوله : { كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ } أي : بل إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي ، تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب.
وقوله تعالى : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } يعني : وإن عليكم لملائكةً حَفَظَة كراما فلا تقابلوهم بالقبائح ، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم.
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطُّنَافِسِيّ ، حدثنا وَكيع ، حدثنا سفيان ومِسْعَر ، عن علقمة بن مَرْثَد ، عن مجاهد قال : : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى حالتين : الجنابة والغائط. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بحرم حائط أو ببعيره ، أو ليستره أخوه".
وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار ، فوصله بلفظ آخر ، فقال : حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة ، حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن حفص بن سليمان ، عن علقمة بن مرثد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن الله ينهاكم عن التعرِّي ، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم ، الكرام الكاتبين ، الذين لا يُفَارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات : الغائط ، والجنابة ، والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه ، أو بحرم حائط ، أو ببعيره".
ثم قال : حفص بن سليمان لين الحديث ، وقد روي عنه ، واحتمل حديثه (1).
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا زياد بن أيوب ، حدثنا مُبَشّر بن إسماعيل الحلبي ، حدثنا تمام ابن نَجِيح ، عن الحسن - يعني البصري - عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من حافظين يرفعان إلى الله ، عز وجل ، ما حفظا في يوم ، فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفار إلا قال الله تعالى : قد غفرت لعبدي ما بين طرفى الصحيفة".
ثم قال : تفرد به تمام بن نجيح ، وهو صالح الحديث (2).
قلت : وثقه ابن معين وضعفه البخاري ، وأبو زُرْعة ، وابن أبي حاتم والنسائي ، وابن عدي. ورماه ابن حبان بالوضع. وقال الإمام أحمد : لا أعرف حقيقة أمره.
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقُلُوسِي (3) حدثنا بيان بن حمران (4) حدثنا سلام ، عن منصور بن زاذان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هُرَيرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لله ملائكة (5) يعرفون بني آدم - وأحسبه قال : ويعرفون أعمالهم - فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسَمَّوه ، وقالوا : أفلح الليلة فلان ، نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله وذكروه بينهم وسموه ، وقالوا : هلك الليلة فلان".
__________
(1) مسند البزار برقم (317) "كشف الأستار".
(2) مسند البزار برقم (3252) "كشف الأستار".
(3) في مسند البزار : "الفلوسي" نسبة إلى الفلوس.
(4) في أ : "عمران".
(5) في م : "إن ملائكة الله".
(8/344)
---------------------
إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)
ثم قال البزار : سلام هذا ، أحسبه سلام المدائني ، وهو لين الحديث (1).
{ إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) }
يخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم ، وهم الذين أطاعوا الله عز وجل ، ولم يقابلوه بالمعاصي.
وقد روى ابن عساكر في ترجمة "موسى بن محمد" ، عن هشام بن عمار ، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ، عن عبيد الله ، عن محارب ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بَروا الآباء والأبناء" (2).
ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم ؛ ولهذا قال : { يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ } أي : يوم الحساب والجزاء والقيامة ، { وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } أي : لا يغيبون عن العذاب ساعةً واحدة ، ولا يخفف عنهم من عذابها ، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة ، ولو يوما واحدا.
وقوله : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ } تعظيم لشأن يوم القيامة ، ثم أكده بقوله : { ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ } ثم فسره بقوله : { يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } أي : لا يقدر واحد (3) على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه ، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
ونذكر هاهنا حديث : "يا بني هاشم ، أنقذوا أنفسكم من النار ، لا أملك لكم من الله شيئا". وقد تقدم في آخر تفسير سورة "الشعراء" ؛ ولهذا قال : { وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } كقوله { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر : 16] ، وكقوله : { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } [الفرقان : 26] ، وكقوله { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } [الفاتحة : 4].
قال قتادة : } يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ والأمر - والله - اليوم لله ، ولكنه يومئذ لا ينازعه أحد.
آخر تفسير سورة "الانفطار" ولله الحمد.
__________
(1) مسند البزار برقم (2195) "كشف الأستار".
(2) تاريخ دمشق (17/400 "المخطوط").
(3) في أ : "أحد".